أخبار الاردن والعرب أولا بأول

 القصة الكاملة لخفايا «جريمة السفارة الإسرائيلية»… ثلاث «وخزات» في كتف القاتل وتعليمات الدرك الأولى تفكيك أي سيارة تتحرك

3٬205

مباشرة بعد عصر يوم الأحد 23 تموز/يوليو تسرب الخبر القصير التالي «إطلاق نار في مقر السفارة الإسرائيلية في عمان».. لاحقاً انتشرت التكهنات وبدأ الاشتعال على وسائط التواصل الاجتماعي بحثاً عن معلومات. بينما لم يصدر عن الحكومة اي بلاغ رسمي، وسرعان ما تبادل كبار المسؤولين المعلومات وبدأ التقييم. اجراء احترازي تقرر، وبصرف النظر عن تفاصيل ما حصل: قوات الدرك الأردنية مع مجموعات تمثل كل الأجهزة الأمنية المختصة في مسرح الاحداث.

بعد نحو ساعة صدر الخبر الثاني «وزير الداخلية غالب الزعبي في الميدان مع رجال الأمن ويشرف بنفسه على التحقيقات الاولية ويتم تفتيش سيارة شحن صغيرة نقلت غرفة نوم لأحد موظفي السفارة ».
إتصال الطوارئ الأول بالأمن اجراه سائق السيارة التي نقلت الأثاث ماهر جنيدي وهو الشاهد الوحيد الناجي من الجريمة التي حصلت، وسرعان ما تم تناقل إتصالات من شهود عيان وجيران للسفارة، وبدأت وسائل الإعلام الشعبية تتناقل الخبر من دون تصريح وبيان رسمي وتكشفت المعلومة الحرجة… «قتيل وجريح أردنيان، وإصابة بليغة لإسرائيلي، والجميع تم نقلهم إلى أقرب مستشفى خاص للمكان اسمه «المركز العربي».

حتى اللحظة لم تصدر بيانات رسمية، فقد قررت المشاورات الأولية على مستوى الحكومة والمؤسسة الأمنية انتظار فهم ملابسات الحادث والتحقيق الشرطي والجنائي السريع قبل التصريح بأي كلمة.
طلب رئيس الوزراء من مديرية الأمن العام تزويده بمعلومات، ودخلت جميع الأجهزة المختصة على التفاصيل فيما تم توجيه سيارات محصنة تتبع قوات الدرك في محيط سفارة إسرائيل تحسباً لأي طارئ.

تنكشف التفاصيل أكثر للرأي العام وللمسؤولين.. شاب أردني في الـ 17 من عمره قتل برصاص نائب رئيس طاقم الأمن في سفارة إسرائيل، ومالك العمارة التي استأجرتها السفارة جرح ونقل للمستشفى وهو في حالة نزيف حادة، كما ان أحد أعضاء السفارة وهو مطلق النار على الأرجح في المستشفى ايضا.

السفارة الإسرائيلية .. وثلاث وخزات في كتف القاتل

في وقت متأخر قليلاً وحين بدأ الغروب تبين بأن إصابة الحارس الإسرائيلي مطلق النار إما طفيفة جداً او سطحية او غير صحيحة.
طلب الأردنيون صورة لإصابة الحارس الإسرائيلي وتم تقديم صورة تظهر وجود ثلاث «وخزات» على كتفه على أنها تمثل الجرح الذي أُصيب به جراء هجوم الفتى الذي رافق غرفة الأثاث لتركيبها محمد الجواودة عليه.
غادر الحارس المستشفى بسرعة وسط حراسة وعاد إلى مقر سفارته ولم يتسن التأكد تماما من التفاصيل، وتحفظت الشرطة الأردنية على السائق الجنيدي وعلى وافد مصري قيل إنه يعمل حارسا في السفارة. بعد الغروب برزت مشكلتان واحدة أمام البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية وأُخرى امام الحكومة الأردنية.

خشي الطاقم الإسرائيلي من تداعيات الأحداث؛ حيث بدأت وسائط التواصل تلتهم اخبار ما حصل بشكل عاصف وتستخدم وصف «شهيد» في الحديث عن النجار الصغير، وأحاطت الاحترازات الأمنية بالسفارة، وطلبت عدم مغادرة أي من داخلها وبدأ التحقيق لدى البحث الجنائي على أساس جريمة جنائية بحتة نتجت عن حصول حدث غامض ومن دون خلفيات سياسية.

ارتبك الطاقم الإسرائيلي وشعر بالخوف، وبدأ يعلم مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتفاصيل وكانت تلك مشكلة الإسرائيليين.

مشكلة الجانب الحكومي الأردني تمثلت في أن الحدث له علاقة بإسرائيل، وغالباً ما تكون مثل هذه الأحداث حرجة وحساسة ومثيرة جدا للرأي العام الداخلي ولا بد من التعاطي معها بحذر شديد خصوصا في ظل أحداث المسجد الأقصى.

وكانت تلك مشكلة الموظفين الرسميين إلى ان قرر وزير الداخلية واحتياطاً ايضاً لتهدئة الرأي العام الذي كان قد ترك كل شيء وتابع الحدث إصدار مذكرة منع سفر بحق القاتل الإسرائيلي بعدما عرفت هويته.

كانت حكومة عمان بانتظار قرارات مرجعية، وفي حالة تشاور استثنائية فأبعاد الجريمة الإسرائيلية الجديدة تثير حساسية المجتمع والاعتصامات والمظاهرات غالباً ما تطالب بإغلاق السفارة وطرد السفير.
مدير قوات الدرك الأردنية كلف بإدارة المشهد في الميدان بحكم واجبات جهازه.. الجنرال حسين الحواتمة وضع قوة تكفي لأي احتياط، وسيطر على المكان وأمر رجاله بتفتيش أي سيارة او شخص يخرج أو يقترب من السفارة.

اقرأ ايضا : Orange الأردن تتعاون مع الإسعاف الجوي الأردني بنقل حالة طبية حرجة

سبب هذا الاجراء يمكن فهمه الآن، فقد عبر وزير الداخلية الزعبي ومن بعده مسؤولون آخرون عن خشيتهم من السيناريو الأسوأ امام الجمهور وهو احتمالية «تهريب» الإسرائيليين لرجلهم القاتل من وراء ظهر الحكومة لأن القانون الدبلوماسي يمنع الأمن الأردني من توقيف او سؤال او تفتيش اي سيارة دبلوماسية.

رغم ذلك كانت التوجيهات لرجال الدرك تقول إن مغادرة الإسرائيلي من دون قرار رسمي احتمال ينبغي ان لا يطرح، حتى أن الجنرال الحواتمة طلب من رجاله تفكيك غلاف إطار السيارة الإسرائيلية اذا تحركت.
في الأثناء نزف الدكتور بشار الحمارنة في المستشفى لخمس ساعات، وحاول الأطباء انقاذه عبثا وكان أثناء محاولة اسعافه داخل المستشفى يقول: «عليه اللعنة لقد قتلني الإسرائيلي المجرم».

توفي في ساعة متأخرة مساء اليوم نفسه الطبيب الجريح.. زاد تعقيد المشهد  لكن اقارب الفتى الجواودة دخلوا حالة انفعال وحاولوا إغلاق أحد الميادين شرقي العاصمة عمان، وتم تفريقهم بالغاز إلى ان استقبل وفداً يمثلهم لتهدئة الخواطر وزير الداخلية الذي استقبل ايضاً وفداً يمثل عائلة الحمارنة بحضور بعض الضباط لشرح التصور الأولي لما حصل.

نجحت ديناميكية الصفدي في مراوغة الضغوط وتأخير مغادرة القاتل نحو 28 ساعة، وهو انجاز تطلبه الأمر دبلوماسياً وقررته مشاورات رفيعة المستوى لأن الأردن يريد أولا وقبل كل شيء بناء القصة كاملة والرواية بصورة منطقية.

والسبب في ذلك أن مكتب نتنياهو بدأ بتسريب الروايات التي التقطتها وسائل التواصل والمواقع الالكترونية الأردنية وهي روايات كاذبة تتحدث عن هجوم على السفارة ثم هجوم على الحارس القاتل.
شعرت غرفة العمليات الأردنية بان التسريب الإسرائيلي يزداد خشونة، ويعرض رواية كاذبة للأحداث، ويحرج الأردن في الوقت الذي يحقق فيه الصفدي انجازاً ملموساً بالإتصالات الدبلوماسية ولا تريد فيه ايضا حكومة عمان إصدار أي بيان رسمي قبل نضوج الحكاية.
تقرر الرد على تسريبات بأخرى مماثلة ولكن من دون مرجعية رسمية وعلى أساس برمجة مخاطبة الرأي العام المحلي الذي كان يتعرض في الأثناء وعلى مدار الدقيقة لوابل من التسريبات الإسرائيلية.

تم فعلاً استعمال سلاح التسريب رداً على سلاح الإسرائيلي وكان ذلك فعالاً إلى حد ما، في الوقت الذي عايشت الحكومة ضغوطاً غير مسبوقة لأن المعلومات تتكاثر وتتوالد بشكل سريع وعاصف خصوصا أثناء التحقيق مع السائق الجنيدي وشهود العيان وحتى مع الحارس الإسرائيلي نفسه الذي اصرت عمان على رفض طلب نتنياهو مغادرته حتى قبل تقديم إفادة.

أصرت عمان وحصلت على افادتين الأولى شفوية، والثانية مكتوبة وموقعة، وصدر البيان الرسمي الأول عن العلاقات العامة في مديرية الأمن العام وتقرر أن ينشر كما هو بسبب صياغته الأولية وفقا لمقياس ضابطة عدلية تحقق في جريمة جنائية وليس سياسية.
قال البيان الأمني الأول والوحيد تقريباً باختصار إن الفتى الجواودة قتل بعد «خلاف» مع حارس الأمن الإسرائيلي وإن إفادات الشهود ذكرت ذلك وإن الطبيب الحمارنة قتل بعد إطلاق النار مع إشارة إلى أن التحقيق الأول انتهى والملف حول إلى النيابة.
لاحظ المختصون فقط أن البيان المشار إليه استعمل مفردة «خلاف» وليس «مشاجرة» التي استعملها وزير الداخلية في اليوم التالي في جلسة منفعلة تحت قبة البرلمان.

دخل الأمريكيون على الخط وبدأ جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي يمارس الضغط على عمان لكي تسمح بمغادرة المجرم الإسرائيلي بصفته الدبلوماسية، وفي الأثناء كان الملك عبد الله الثاني يتابع كل التفاصيل لحظة بلحظة ويصدر التوجيهات عبر حلقة اتصالات مرئية خاصة مع كبار المسؤولين.
غادر الإسرائيلي ومعه جميع افراد الطاقم، ونزل الخبر كالصاعقة على الرأي العام وكسب الأردن الرسمي جولة في أخلاقيات احترام الدبلوماسية، وباع الموقف للإدارة الأمريكية بعد الإطلاع على ملابسات وتفاصيل الحادث والتمكن من تأخير مغادرة الحارس القاتل لنحو 28 ساعة على الاقل بعد جريمته.
ثم بدأت حفلة الاستفزاز من جانب حكومة بنيامين نتنياهو التي أدخلت المزاج الرسمي والشعبي الأردني في حالة نادرة جدا اضطرت الوزير الصفدي للإعلان عن غضب الأردن الكبير، وعن الإفلاس الأخلاقي عند الجانب الإسرائيلي في عبارات قاسية جدا لم تكن مألوفة.

تدخل الملك

عاد الملك عبد الله الثاني إلى شعبه وبدأ مباشرة في التعاطي مع الموقف، قرأ ملخصات ورقية سريعة واجتمع بأكبر المسؤولين، ثم ترأس جلسة لمجلس السياسات وهو مطبخ القرار المركزي في الدولة، واتخذت سلسلة من القرارات التي عبر عنها المسؤولون والوزراء لاحقاً.
في الكواليس «اقترح» أحدهم ان تحضر عائلات الضحايا والأقارب المباشرين إلى الديوان الملكي لمقابلة الملك.. رفض مسؤول أمني رفيع هذه التوصية ونصح بان يقوم الملك بزيارة دور العزاء وهو ما حسم لاحقا بقرار مرجعي؛ حيث ثبت أن هذه التوصية في مكانها تماما لان زيارتي الملك لمقر عزاء الشهيدين الجواودة والحمارنة احتوت تماما المزاج الشعبي المنفعل ودفعت الرأي العام للتفاؤل، وخفضت مستوى التوتر بين الناس عندما شاهدوا ملكهم يعلن في رسالة قوية بان الأردن لن يتساهل، وسيحصل على حقوق جميع أبنائه.

زيارة الملك للعزاء في الضحيتين كانت ايضا رسالة للجانب الإسرائيلي فيها ما يكفي من جرعة الصرامة والحزم. بعد ذلك تم الإعلان عن القرار المركزي: طاقم السفارة الإسرائيلي الذي سحبه نتنياهو لن يعود قبل إحقاق العدالة وإخضاع القاتل للتحقيق واستدراك حكومة إسرائيل لموقفها غير الأخلاقي.

تلك الرسالة أعادت توحيد الأردنيين حول دولتهم وقيادتهم، وبرمجت الغضب وحولته إلى منتج يرد على الأزمة السياسية التي حاول نتنياهو إنتاجها في عمق المجتمع الأردني، في الوقت الذي كانت عمان فيه تحصد مكاسب سياسية دولية وهي تظهر بمظهر الدولة المحترمة قياسا بخصمها.
وفي الوقت الذي استثمر فيه الأردنيون بذكاء في المشهد، اضطر نتنياهو خلف الستارة لإزالة بواباته الالكترونية عندما شاهد العشرات من موظفي الأوقاف الأردنية خلف أهل القدس ومعهم في التصدي لمحاولة إخضاع المسجد الأقصى.

وعندما شاهد كل الأطر القيادية في الأردن وهي تربط قصداً في أي حديث بين ما يجري في المسجد الاقصى وما جرى من جريمة إسرائيلية موازية في ضاحية الرابية غربي عمان.

التعليقات مغلقة.