أخبار الاردن والعرب أولا بأول

الجناح «الدبلوماسي» في النظام السوري يعادي الأردن والعسكري يتفاعل بالقطعة معه والأمني «يحتجب»

0 169

يضع الأردن الرسمي حدوداً مرسومة بعناية، عندما يقرر الرد بلغة فيها جرعة خشنة نسبياً على ما تسميه عمّان مسلسل الإساءات التي تصدر ضدها من جناح واضح الملامح في المؤسسة السورية برغم جملة الخلافات وحجم المرونة الكبير الذي يظهره الأردن تجاه النظام السوري عندما يتعلق الأمر بالتعاون الحدودي.

يفرّق الأردنيون في غرفة القرار بين ثلاثة أصناف أو أجنحة في نظام دمشق المجاور، تقف سلسلة من المواقف المتناقضة أحياناً، عندما يتعلق الأمر بالبحث في السؤال المؤرق عن مستقبل العلاقات بين الجانبين في ظل خصومة ثأرية انتقامية يُصرّ عليها النظام السوري. وفي مقاربات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ومسؤول ملف مؤتمرات المعارضة السورية في الخارجية نواف التل لا بد من الانتباه دوما إلى عنصرين في المشهد.

الأول هو: الحذر من سيناريو توحيد الجبهات المطروح عبر تركيا والثاني: يتمثل في الحرص على عدم التورط في الحديث مع بشار الأسد ومؤسسات نظامه العميقة بصورة مباشرة في هذه المرحلة على الأقل، والتركيز على التحدث بالشأن السوري مع القناة الروسية فقط. وفي ضوء هذه المقاربة يمكن تلمس حالة الضعف التي تعيشها غرفة الموك الشهيرة التي غادرها الأمريكيون وانفرد بها الإسرائيليون إلى حد كبير، ولا يظهر الروس اهتماماً كبيراً باستمرارها ووجودها، إلّا ضمن جزئية سيناريو تخفيض التوتر في الجنوب السوري.
فقد نجحت تل أبيب فيما يبدو في استقطاب عدد كبير من الوجهاء وممثلي المجتمع في حدود السويداء وجبل العرب.

وتم حسب معلومات خاصة حصلت عليها «القدس العربي» خطف هؤلاء من الحضن الأردني خصوصًا بعدما أبلغ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الأردنيين عندما زارهم الشهر الماضي بأن مَن يستضيفونهم ويدفعون لهم المال من قادة دروز وبادية سوريا «يبيضون» أيضاً في السلة الإسرائيلية ويتبادلون الرسائل في الوقت نفسه مع مخابرات بشار الأسد.

تقويمات لافروف هنا بدت منطقية، وإن كانت تعكس انحسار وضعف هوامش المناورة أمام الأردنيين، حتى عندما يتعلق الأمر بالحاضنة الاجتماعية التي قيل دومًا إنها قريبة من عمّان أو محسوبة عليها، سواء بمحاذاة البادية الأردنية الشمالية أو إلى جوار بعض الوجهاء العشائريين في محيط درعا.
الرئيس بشار الأسد استغل فيما يبدو هذه النقطة عندما قال في خطاب شهير بأن السوريين الذين يعتقد الأردن أنهم يمثلون حصته في جنوب بلاده هم حصة النظام أيضاً. ولم تدقق السلطات الأردنية في هذا التصريح تحديدًا، حتى تبين أن حصة النفوذ الاجتماعي الأردنية في جنوب سوريا والجولان خطف جزءاً منها الإسرائيليون، وتكفلت أجهزة نظام دمشق بالباقي، الأمر الذي يُعتقد وعلى نطاق واسع بأنه السبب المباشر لظهور تعبيرات معادية للأردن أو حتى جارحة له أو متحرشه به من قبل الجناح الدبلوماسي في النظام السوري.

المجسّات الأردنية هنا التقطت بذكاء بعض الفوارق، فجرعة العداء الأكبر تُجاه عمّان تصدر من الطاقم الدبلوماسي بإشراف الوزير المخضرم وليد المعلم، ويشارك فيها أحيانا سفير سوريا الدائم في مجلس الأمن بشار الجعفري، وأحيل العطاء كاملًا في الأوقات كلها على المتحرش السوري الأكبر بالأردنيين بهجت سليمان سفير دمشق السابق المطرود من عمّان.
وانضم مؤخرا القائم بالأعمال السوري في العاصمة الأردنية أيمن علوش لهذه الموجة والنغمة عبر تصريحات مثيرة مغرورة أثارت ضجة مرتين على الأقل، واضطرت السلطات بعدهما إلى استدعائه رسميًا والتحدث بلغة قريبة من لهجته، عندما نصحت للرئيس بشار الأسد علنًا بضبط ألسنة دبلوماسييه الحـمقى.

حصل ذلك بعدما أنكر علوش وسط نخبة من الأردنيين الموالين لدمشق دور الجيش الأردني في حرب أكتوبر، مثيرًا عاصفة من الجدل بصورة دفعت السلطة الأردنية إلى وصفه بالجاهل الأحمق، قبل أن يدخل السفير سليمان على خط الاشتباك دفاعًا عن نائبه وتلميذه علوش، مقترحًا على المسؤولين الأردنيين التعلم في مدرسة الأسد الدبلوماسية. وتلك مؤشرات على اشتباك يومي بين طاقم الدبلوماسية السورية وحكومة الأردن.

وهو اشتباك لا تسانده وقائع أو تلتزم بمعاييره على المستوى العسكري والأمني، فأحد المسؤولين الكبار في الأردن أبلغ «القدس العربي» مباشرة بأن المؤسسة العسكرية السورية منضبطة ولا تظهر العداء تجاه الأردن، ويحصل تواصل يومي مع رموزه في إطار تنسيق عملياتي له علاقة بالحدود.

ولا يحصل مثل هذا التفاعل الإيجابي مع الجناح الدبلوماسي في النظام السوري والقنوات الأمنية بعد الزيارة التي قام بها إلى عمّان العام الماضي رجل الأمن السوري القوي علي مملوك، أقفلت لأن الغرفة الأردنية تعمل على تجذير التواصل الأمني مع موسكو أكثر من دمشق، لأن التواطؤ حصل ثنائيًا على إقفال الباب أمام قنوات وسيطة مباشرة. لذلك تدار العلاقة بين عمّان ودمشق بالقطعة، ومن دون تفاهمات عميقة أو استراتيجية وعبر الروس والمؤسسة العسكرية السورية فقط.

وهذا الوضع مربك مع الروح العدائية التي يظهرها دبلوماسيون سوريون، ومع احتجاب التفاعل الأمني، الأمر الذي انعكس تماماً على تلك المفاجآت التي تظهر بين الحين والآخر، لإعاقة تفاهمات ضمنية أو مفترضة من بينها مشروع إعادة افتتاح وتشغيل معبر نصيب.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.