ينفق 12 ألف دولار شهريًا على وسامته من أموال الضرائب! هل ستخلع فرنسا ماكرون؟

68

في مايو (آيار) 2017 وبعد إعلان قصر الإليزيه فوز إيمانويل ماكرون مرشح تيار الوسط بالانتخابات الرئاسية، ضجت وسائل الإعلام بالتهليل فرحًا بهزيمة مرشحة اليمين المتطرف ماري لوبان، واعتلاء مرشح وسطي يتبنى في خطابه «حماية الفئات الضعيفة»، كرسي الحكم في فرنسا، على أمل إحداث بعض التوازن في العالم، خاصة بعد وصول رجل الأعمال دونالد ترامب، الذي لا يتورع عن إظهار عنصريته وميله نحو الأثرياء، لكرسي الحكم في أمريكا.

ماكرون «يتجمل» بأموال دافعي الضرائب ويُحيلهم إلى التقشف

وبعد ثلاثة أشهر من وصوله للحكم نشرت صحيفة «التلجراف» البريطانية في أغسطس (آب) 2017 خبرًا منقولًا عن صحيفة «لوبوينت» الفرنسية مفاده أن الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون أنفق في الشهور الثلاثة الأولى من توليه الحكم حوالي 26 ألف يورو على خدمات التجميل والمكياج، بمقدار 12 ألف دولار في الشهر، و410 دولارات في اليوم، وأن هذا المبلغ لم يكن من جيبه الشخصي، بل من أموال دافعي الضرائب. وقد علق قصر الإليزيه آنذاك على هذا الخبر بأنه صحيح، مؤكدًا على أنه سيتم تخفيض ميزانية الإنفاق على التجميل بصورة كبيرة.

وأثار هذا الخبر آنذاك استياء العديد من الفرنسيين الذين يبلغ متوسط دخلهم السنوي حوالي 25 ألف يورو، أي أقل مما أنفقه ماكرون على خدمات التجميل الخاصة به في ثلاثة أشهر، خاصة وأن هذه التسريبات انتشرت أثناء عطلة البرلمان في أغسطس، وقرب انعقاده لمناقشة أكثر القضايا إثارة للجدل في الشأن العام الفرنسي، وهي: تقليل الإنفاق العام وإصلاح قانون العمل الفرنسي المعقد.

وذكرت وكالة «رويترز» آنذاك، أنه وبحسب الاستطلاع الذي أجراه المعهد الفرنسي للرأي العام (إيفوب)، ونشرت نتائجه صحيفة «لوجورنال دو ديمانش»، فإن شعبية الرئيس الفرنسي تراجعت بقوة في أغسطس 2017، للشهر الثاني على التوالي، إذ أصبحت نسبة الراضين عن أداء الرئيس الجديد 40%، أي بتراجع قدره 14 نقطة مئوية خلال شهر، تضاف إلى 10 نقاط كان خسرها في يوليو (تموز)، وبذلك تكون شعبية ماكرون تراجعت بمقدار 22 نقطة مئوية منذ أول استطلاع للرأي أجراه إيفوب، ونشرته الصحيفة نفسها قبل مايو (آيار) 2017، أي مباشرة عقب فوز ماكرون بالرئاسة. وكان المتحدث باسم الحكومة الفرنسية قد برر هذا التراجع في الشعبية قائلًا إن: «الحزب الحاكم يمر بوقت عسير، وأن استياء بعض الشعب ثمن يستحق الدفع، إذا أرادت الحكومة المضي قدمًا في الحزمة الإصلاحية والتقشفية».

لكن الوقت العسير الذي يمر به الحزب الحاكم لم ينقشع، بل زادت حدته، بعد اتهامات وصفت ماكرون الذي وصل لقصر الإليزيه بناءً على برنامج وسطي، بأنه «رئيس الأثرياء».

عامٌ واحد يكفي.. الشعب يرفض نموذج «ماكرون» الاجتماعي

بعد المائة يوم الأولى من توليه السلطة أعلن إيمانويل ماكرون عبر حديث له مع صحيفة «لوبوان» الفرنسية عن سياساته التي سينتهجها خلال فترته الرئاسية، وذلك بعد صيف صعب شهد تراجعًا كبيرًا في شعبيته بعد الإعلان عن الإصلاحات الهيكلية التي تمت مباشرتها، والتي تتضمن قانون العمل ونظام التقاعد ومساعدات البطالة، باعتبارها خطوة أولى نحو تجديد النموذج الاجتماعي الذي سبق وأن وعد به الرئيس الفرنسي، مؤكدًا أنه «لا يسعى إلى جعل الأمور أكثر بساطة، بل أكثر فاعلية».

وفي بداية أبريل الماضي شهدت فرنسا موجة احتجاجات وإضرابات من قبل عمال السكك الحديدية، بالإضافة إلىتظاهرات الطلاب الفرنسيين الذين أعربوا عن عدم رضاهم عن السياسات الاقتصادية في البلاد. إذ أعلن عمال وموظفو السكك الحديدية رفضهم للإصلاحات التي تنتهجها الحكومة، والتي تنطوي على إدخال المنافسة في مجال السكك الحديدية وخصخصة قطاع النقل، علاوةً على القضاء على الوضع القانوني المستقل للسكك الحديدية، الذي يوفر عددًا من المزايا للعاملين في هذا القطاع؛ فيما أعلن الطلاب رفضهم لإصلاح التعليم الذي سيُحدث تغييرات خطيرة في عملية الامتحانات النهائية. وكان 58% من الفرنسيين الذين شاركوا في استطلاعٍ للرأي أجراه مركز «Odoxa» لصالح قناة «BMFTV» التلفزيونية، قد عبروا عن عدم رضاهم عن الخط الاقتصادي الذي ينتهجه ماكرون.

هذه الاحتجاجات لم تلبث وأن زادت وتيرتها بالتزامن مع عيد العمال في مايو (آيار) الماضي، عندما رفعت النقابات العمالية الفرنسية لافتات مناهضة للرأسمالية ورافضة لسياسات ماكرون الاقتصادية خلال مسيرة عيد العمال، قبل أن تتخلل هذه المسيرة أعمال شغب، واشتباكات عنيفة مع الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه من أجل تفريق المتظاهرين والقبض عليهم.

هذه الاشتباكات أعقبها أيضًا مظاهرة كبرى نظمتها الحركة اليسارية المعروفة باسم «فرنسا لا تنحني» والتي خاض رئيسها جان لوك ميلينشون، الانتخابات الرئاسية في عام 2017، وأُطلِق عليها اسم «احتفالية ماكرون»، وشارك فيها بصورة سلمية، ما يصل إلى حوالي 160 ألف متظاهر بحسب المنظمة، رافعين لافتات كُتِب عليها «عامٌ واحد يكفي»،

رفع أسعار الوقود.. هل صبّ الزيت على النار المشتعلة؟

في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعلنت الحكومة الفرنسية عن رفع أسعار الوقود، تماشيًا مع ارتفاع أسعار النفط العالمية وتمهيدًا لخطة فرنسا منع بيع السيارات التي تعمل بالبنزين بحلول عام 2040، هذا الارتفاع قوبل برفض شعبي واسع واستهجان كبير، وإطلاق دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدأها سائق شاحنة في شرق باريس، ثم دعمتها حركة شعبية أطلقت على نفسها اسم «السترات الصفراء» في إشارة إلى السترات الصفراء المضيئة التي يرتديها سائقو الشاحنات والسيارات النقل عند تعطل سياراتهم، وذلك من أجل النزول إلى الشوارع والاعتراض على قرارات الحكومة، وإغلاق كل النقاط الحيوية والاستراتيجية في البلاد، بدءًا من الطرقات مرورًا بمحطات الوقود ووصولًا إلى المواصلات.

و«كفى ماكرون»، والتي أتت بالتزامن مع مرور عام على تولي ماكرون رئاسة البلاد، معربين عن رفضهم التام لـ«النموذج الاجتماعي» الذي يتبناه ماكرون والذي يعتمد على الإضرار بالطبقات الاجتماعية الدُنيا، وبالرغم من كم الإضرابات التي شهدتها المدن الفرنسية، إلا أن الرئيس الفرنسي أعلن رفضه التام التخلي عن تطبيق وعوده الخاصة بتغيير أوضاع السكك الحديدية وتقليص النفقات الحكومية، والتي تُعد جزءًا من برنامجه الانتخابي.

المشاركون والداعمون لدعوات الإضراب والخروج إلى الشوارع، والتي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم، أكدوا أن الفرنسيين خاضعون منذ تولي ماكرون السلطة في مايو 2017 لـ «سياسة ضريبية أنهكت الطبقات المعوزة منهم وحتى المتوسطة»، وأن السياسة الاجتماعية للحكومة تسببت في تراجع القدرة الشرائية للمواطن، وأن ارتفاع أسعار الوقود ما هو إلا القطرة التي فاض بها الكيل.

والمعروف رسميًا عن حركة «السترات الصفراء» أنها نشأت في نهاية أكتوبر الماضي على خلفية ارتفاع أسعار الوقود، واشتدت حدتها إثر إعلان حكومة إدوارد فيليب عن نيتها رفع الرسوم على المحروقات مرة أخرى بواقع 6.5 سم من اليورو للتر الديزل، و2.9 سم من اليورو للتر البنزين، في الأول من يناير (كانون الثاني) القادم.

ومنذ ذلك الحين، أخذت دعوة حركة «السترات الصفراء» في الانتشار بسرعة البرق، في أرجاء المدن الفرنسية كافة،  وما زاد من الامتعاض الشعبي تجاه ماكرون هو تجاهله لكل مؤشرات وعلامات الغضب الاجتماعي ضد غلاء المعيشة الذي يعاني منه الفرنسيين، بل إنه ألقى باللوم على المواطنين الذين شكوا من ثقل الضرائب وانخفاض قدرتهم الشرائية.

وأملًا منها في تقويض دعوات المشاركة في الاحتجاج، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب، الأربعاء الماضي، عن صرف مساعدات مالية للطبقات الفقيرة، تبلغ قيمتها حوالي 500 مليون يورو من أجل تحسين قدرتهم الشرائية ومساعدتهم في مواجهة الزيادات المرتقبة بمجال الطاقة. فيما صرح الرئيس الفرنسي في مقابلة مع قناة «تي إف 1» أنه: «يدرك حجم الاحتياجات الاجتماعية وأن الفرنسيين لديهم كل الحق في التظاهر والتعبير عن غضبهم».

هل تخلع «السترات الصفراء» عن ماكرون رداء الرئيس؟

وكانت الاحتجاجات الشعبية قد عمت أرجاء فرنسا يوم السبت الماضي، وقدم مواطنون فرنسيون إلى باريس من مختلف أنحاء فرنسا وتجمعوا في شارع الشانزليزيه للتعبير عن رفضهم لسياسات الحكومة الفرنسية، وما لبثت أن تحولت الاحتجاجات إلى مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين؛ ووقعت اشتباكات عنيفة بين الطرفين، وأضرم المتظاهرون النار في مقطورة ما أدى إلى انفجارها، واستخدمت الشرطة الفرنسية كذلك الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي لتفريق المتظاهرين الغاضبين، مما تسبب في مقتل اثنين وإصابة المئات.

وكان المتظاهرون قد رددوا النشيد الوطني الفرنسي، إضافة إلى شعارات مناوئة للحكومة الفرنسية؛ معبرين عن غضبهم العارم منها، مطالبين بسقوط الرئيس الفرنسي ماكرون الذي أصبحت سياساته قائمة فرض الضرائب وخفض العمالة والأجور، وتدفق المتظاهرون إلى الشوارع القريبة من الشانزليزيه، رافعين لافتات كتب عليها «فليسقط ماكرون» و«استقالة.. ماكرون».

فيما وصف ماكرون هذه التظاهرات بأنها «مهينة ومخجلة» ولا تتماشى مع القيم الفرنسية النبيلة، وكتب عبر حسابه الرسمي على «تويتر»، يشكر الشرطة لتعاملها المهني مع المحتجين، مستنكرًا اعتداءاتهم على الشرطة والمراسلين الصحافيين، ومشددًا على أنه لا مجال للعنف في الجمهورية الفرنسية.

وعلى الجانب الآخر عقبت حركة «السترات الصفراء» على تصريحات ماكرون عن المظاهرات الأخيرة بالدعوة إلى جولة جديدة من المظاهرات في الأول من ديسمبر المقبل، ودعت المواطنين الفرنسيين إلى الخروج والتعبير عن رأيهم والمطالبة بإسقاط الرئيس إيمانويل ماكرون الذي تسبب في «إفقارهم».