هذا هو مؤسس داعش الحقيقي.. رواية مختلفة لنشأة التنظيم

296

اهتمت وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» بتتبع تاريخ التنظيم ودراسة أفكاره وأصولها، للخروج باستنتاجاتٍ تُساعد في فهم كيفية نشوء تلك الظاهرة التي أفضت إلى عنفٍ هائل في الشرق الأوسط وخارجه. وبينما تتفق جميع الروايات تقريبًا على أنَّ التنظيم كان نتاج أفكار أبي مصعب الزرقاوي، القيادي السابق بالقاعدة، فإنَّ الكاتب حسن حسن يعرض روايةً مختلفة تمامًا في تقريرٍ نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» الأمريكية.

يوضح حسن أنَّ مُعظم المؤرخين ممن يتابعون تنظيم داعش يتَّفقون على خروج هذا التنظيم من رحم تنظيم القاعدة في العراق، ردًّا على الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، ويتفقون أيضًا على أنَّ تنظيم داعش تشكَّل في الأصل على يد أبي مصعب الزرقاوي، الجهادي الأردني الذي تزَّعم تنظيم القاعدة في العراق في يومٍ من الأيام. إذ كانت لدى الزرقاوي رؤيةٌ سوداوية: إشعال فتيل حربٍ أهليةٍ بين السنة والشيعة وتأسيس خلافةٍ إسلامية. ورغم مقتله عام 2006، فقد تحقَّقت رؤيته عام 2014، وهي السنة التي اجتاح خلالها داعش شمال العراق وشرق سوريا.

ويضيف أنَّ الروايات المُتعلَّقة بجذور أيديولوجية داعش تُركِّز عادةً على حقيقة خلاف الزرقاوي وأسامة بن لادن بشأن فكرة قتال الشيعة ومسألة التكفير، وتشير إلى أنَّ حدة تلك الخلافات زادت في العراق لتنتهي بانشقاقٍ بين داعش والقاعدة. واستنادًا إلى هذه السلسلة من الافتراضات، توصَّل الكثيرون إلى أنَّ الزرقاوي هو من وضع الإطار الفكري لداعش.

لكن يؤكد حسن أنَّه مؤخرًا بدأ يُشكِّكُ في هذه الفكرة السائدة، وأنَّه يُمكن القول جدلًا بأنَّ أساس داعش قد وُضِعَ قبل الغزو بوقتٍ طويل، وإذا كان هناك شخصٌ مسؤولٌ عن طريقة عمل التنظيم فلا بد أنَّه عبد الرحمن القادولي، وليس الزرقاوي.

يوضح حسن أنَّ القادولي مواطنٌ عراقي من مُحافظة نينوى يُعرَف علنًا باسمه الحركي: أبو علي الأنباري. كان الأنباري هو الرجل الثاني بعد الزرقاوي خلال أيامه في القاعدة، وهو من وضع ملامح منهج داعش «المتطرف» أكثر من أي شخصٍ آخر، إذ كان تأثيره أكثر منهجية وأكثر عمقًا من زعيمه الزرقاوي، واستمر مدة أطول.

وفقًا للتقرير، حصل حسن على وثيقةٍ من 93 صفحةً تُؤرِّخ حياة الأنباري، فضلًا عن مناخ «التطرِّف» الذي أحاط به في التسعينيات بالعراق. كتب نجله عبد الله هذه السيرة الذاتية من أجل الاستخدام الداخلي في داعش، ونُشرت أجزاء منها في مجلة النبأ الأسبوعية الخاصة بالتنظيم عام 2016 في أعقاب مقتل الأنباري. ونشر المُنشقُّون عن داعش تلك الوثائق كاملةً على الشبكات الاجتماعية مؤخرًا، وهكذا حصل حسن عليها. وأوضح عبد الله بن الأنباري أنَّ السيرة الذاتية كانت نتاج 16 عامًا من العمل عن قُربٍ مع والده، والمذكرات التي احتفظ بها الأنباري، وشهاداتٍ مُباشرةٍ عن الأنباري من زملائه من أعضاء داعش.

وبالإضافة إلى السيرة الذاتية التي كتبها عبد الله، اعتمد حسن في تقريره على مجموعةٍ من المحاضرات التي ألقاها الأنباري بين عام 2014 و2015، وملاحظاته من المقابلات التي أجراها مع أعضاء التنظيم والثوار السوريين. واتضح له أنَّ الزرقاوي هو من تأثَّر بالأنباري، وليس العكس.

نشأة الأنباري

وفقًا للتقرير، وُلِد الأنباري في شمال العراق عام 1959 لعائلةٍ تركيةٍ مُتديِّنة من أصولٍ عربيةٍ وأرمنية. ويروي عبد الله أنَّه ذات مرة حاول الأنباري شراء حمامٍ في صغره، فقال له والده إنَّ عليه سؤال إمامٍ محليٍ ما إذا كانت تربية الحمام حلالًا من وجهة نظر الشريعة الإسلامية. أخبره الإمام بأنَّها عادةٌ «شيطانية»؛ فتخلَّى عن الفكرة. (في بعض الدول العربية، لا يُؤخذ بشهادة مُربِّي الحمام أمام محاكم القضاء، إذ يربط العرب بينهم وبين عدم الأمانة، لأنَّ وظيفتهم يُعتقد أنَّها تنطوي على سرقة حمام الآخرين والكذب بشأن الأمر).

درس الأنباري الشريعة في معهدٍ بمدينة تلعفر العراقية الشمالية، بعد أن أنهى المرحلة الابتدائية. وتخرَّج في جامعة بغداد عام 1982، وحاز شهادةً في الدراسات الإسلامية. (وهي الجامعة نفسها التي ارتادها القائد الحالي لداعش أبو بكر البغدادي). وفي أعقاب تخرُّجه، انضم إلى الجيش العراقي وخدم فيه سبع سنوات، شارك خلالها في الحرب الإيرانية- العراقية. وكتب نجله: «لقد حصل على تدريبٍ عسكري وديني، وهو مزيجٌ نادر».

ويوضح حسن أنَّه مع نهاية خدمة الأنباري العسكرية، تُشير السيرة الذاتية إلى تكليفه بتدريس صف شريعةٍ في بلدة مجمع برزان الصغيرة والمتنوعة. وفي يومٍ من الأيام، دعا أحد أثرياء البلدة مجموعةً من الغجر -وهي جماعةٌ عرقيةٌ تُشبه شعب الرُّوما- لنصب خيمةٍ وإقامة احتفالٍ تملؤه الموسيقى والرقص. وثار غضب الأنباري حين بلغته أنباء الاحتفال؛ إذ رأى في ذلك رجسًا عظيمًا. فأعلن أنَّه سيمنح 10 درجاتٍ إضافيةٍ لكل طالبٍ لا يحضر الاحتفال، لكنَّ هذا الموقف لم يكن قويًّا بما فيه الكفاية. وفكَّر الأنباري في قتل الغجر، لكنَّه لم يمتلك سلاحًا ناريًّا. فطلب من أحد طلابه أن يُحضر له البنزين، إذ كان يُفكِّر في حرق الغجر أحياءً داخل خيمتهم. وفي النهاية، ألقى خطبةً ضد الغجر والاحتفال الدنس المنتظر. وفي ظل الضغوطات الشديدة، صرف الراعي الثري الغجر. لكنَّ الواقعة تركت الأنباري غارقًا في أفكاره: لا بد أن تكون هناك مشكلة في الحكومة التي قد تُفكِّر حتى في السماح بإقامة مثل تلك الفعاليات.

وفي منتصف التسعينيات، عاد الأنباري إلى تلعفر، المدينة التي يختلط فيها الشيعة بالسنة. وعُيِّن في مدرسةٍ محليةٍ داخل واحدٍ من أكبر الأحياء الشيعية في المدينة، وهو حي الخضراء، وأصبح في ما بعد إمامًا في مسجدٍ قريبٍ من الحي. واستخدم منبر المسجد للهجوم على الشيعة والصوفيين بوصفهم طوائف منحرفة.

وفي وقتٍ لاحقٍ من ذلك العِقْد، انضم إلى المنظمات الجهادية الكردية في الشمال. وتشرح السيرة الذاتية وفقًا لتقرير حسن في مجلة «ذي أتلانتيك» كيف تأثَّر بالمواد الجهادية، مثل الخُطَبِ الصوتية التي تأتي من أفغانستان والشيشان. وكوَّن علاقاتٍ مع ثلاث رجالٍ أصبحوا جهاديين بارزين في ما بعد. قُتِلَ أحدهم على يد قوات البيشمركة الكردية بالموصل في الأيام الأولى لحرب العراق، وأصبح الاثنان الآخران من كبار قادة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، وهو الاسم المُتعارف عليه لتنظيم داعش منذ عام 2006، وحتى توسُّعه إلى سوريا عام 2013.

وأثناء أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، ارتفعت نسبة دعم الجهاد في العراق. ويُعَدُّ نجاح الهجمات بلا شكٍ أحد العوامل التي أدَّت إلى هذا الارتفاع الذي سبق الغزو، لكنَّه ليس العامل الوحيد؛ إذ إنَّه في أعقاب حرب الخليج عام 1991، أطلقت حكومة صدام حسين حملة «العودة إلى الإيمان»، التي دعت إلى أسلمة المجال العام. وقبل سبعة أشهرٍ من الهجمات، أعلنت الحكومة التعبئة العامة للعراقيين من أجل الانضمام إلى جيش القدس، الذي كان قوامه من المتطوعين وغرضه الرئيسي كان طرد اليهود من المدينة المقدسة. وعلم حسن في حديثه مع أبي ماريا القحطاني، أحد مؤسسي القاعدة في سوريا، ذات مرةٍ أنَّ إصرار صدام المتواصل على الخطاب المُعادي لأمريكا دفع الكثيرين إلى القتال ضد النفوذ الأمريكي قبل الغزو وبعده. ويُذكر أنَّ القحطاني شخصيًّا تدرَّب على يد نظام صدام من أجل تنفيذ مهمةٍ انتحاريةٍ في إسرائيل.

تأثَّر الأنباري كثيرًا بتلك الاتجاهات. وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر، كَوَّن مع بعض تلاميذه السابقين «نواةً للإمارة»، التي كانت عبارة عن نموذجٍ أولي للدولة الإسلامية في شمال العراق. وتدرَّب الطلاب عند سفوح الجبال المحيطة بتلعفر على يد إياد أبي بكر، أحد المقربين من الأنباري.

ويضيف حسن أنَّه بخلاف تحفيز الفكر الجهادي، يبدو أنَّ هجمات 11 سبتمبر أدت إلى نشر الاستقطاب في المشهد الديني بالعراق. وبدأ الأنباري والجهاديون ذوو الأفكار المُشابهة يرون الإسلاميين المنافسين مثل جماعة الإخوان المسلمين في صورة الأعداء، وهو الموقف الذي أصبح بُعدًا بارزًا في أيديولوجية الدولة الإسلامية. ورأى الأنباري في احتضان الإخوان المسلمين للأعراف السياسية ورفضهم للقاعدة نوعًا من الخيانة. ويظهر تركيزه على الإخوان المسلمين جليًا في محاضراته الصوتية، التي يُشير خلالها إلى أعضاء الجماعة بـ«إخوان الشيطان».

وجمع الأنباري مخزونًا عظيمًا من مجموعة الكتب الجهادية التي انتشرت في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر بالعراق، وخاصةً الكتب التي ألَّفها أبو محمد المقدسي، مُرشِد الزرقاوي في السجن، والمُنظِّر الجهادي المصري عبد القادر بن عبد العزيز. وكتب نجله أنَّ تلك المواد أدَّت إلى «صقل مفاهيم الشيخ وتصحيح عقيدته» في مسائلَ مثل الردة، وتبني القوانين التي وضعها البشر. وبهذا، فإنَّ الرجل الذي لم يتقبَّل الاعتدال قط، رفض ذلك المفهوم باعتباره حرامًا حُرمةً كليةً في الإسلام.

ويستنتج حسن من المعلومات السابقة أنَّ آراء الأنباري «المُتشدِّدة»، التي انعكست على داعش في ما بعد، قد تشكَّلت قبل الغزو الأمريكي للعراق، وقبل أن يلتقي الزرقاوي.

صاحب التأثير الأكبر: الزرقاوي أم الأنباري؟

يذكر حسن أنَّه وفقًا للسيرة الذاتية التي كتبها عبد الله، وصل الزرقاوي إلى شمال العراق قادمًا من أفغانستان في ربيع عام 2002. والتقى به الأنباري بعد شهرٍ من وصوله في بغداد، أثناء استضافة الزرقاوي لمبعوث المجموعة الجهادية الكردية أنصار الإسلام، الذي كان صديقًا شخصيًّا للأنباري. (وهذه هي المرة الأولى التي يُقِرُّ فيها منشورٌ داعشيٌ بوجود الزرقاوي في بغداد قبل الغزو. ففي السابق، زعم البعض أنَّ هذه المعلومة مُزيَّفة أو مُسيَّسة، كجزءٍ من محاولات إدارة بوش تبرير الحرب عن طريق الربط بين الزرقاوي ونظام صدام). وخلال تلك الفترة، تنقَّل الأنباري بين وسط العراق وشماله لتسهيل الأنشطة الجهادية. وورد في السيرة الذاتية التي كتبها عبد الله: «نضجت عملية الإعداد للجهاد، من حيث التمويل والتسليح والرجال. وحدث كل ذلك في ظل حكم حزب البعث».

يوضح حسن أنَّ عبد الله يقصد بكلمته «كل ذلك» إضفاء الطابع الاحترافي على الحركة الإسلامية في مرحلة ما قبل الغزو. إذ عكف البعثيون السابقون الذين «تابوا» قُبيل الحرب على تنظيم المجندين الجُدد. من هؤلاء البعثيين أبو مسلم التركماني، الذي كان عقيدًا في جيش صدام قبل أن يُصبح الرجل الثالث في التسلسل الهرمي للدولة الإسلامية في العراق، إذ درب مجموعةً جهاديةً مُعاديةً لصدام وُضِعتَ في ما بعد تحت إمرة الأنباري. وصَنَّعَ رجال الأنباري والتركماني كواتم الصوت للمسدسات، والعبوات الناسفة لصالح الزرقاوي.

وحين اجتاحت الولايات المتحدة العراق عام 2003، قاد الأنباري والزرقاوي مجموعتين مختلفتين لم تكونا جزءًا من القاعدة في العراق وقتها. (وأعلن كلاهما الولاء للقاعدة عام 2004، وعُيِّن الأنباري نائبًا للزرقاوي). وتُشير أدلةٌ عديدةٌ إلى أنَّ الأنباري، وليس الزرقاوي، هو من حدد وتيرة «التشدُّد»، ودفع بالسياسات التي ميَّزت داعش في ما بعد.

وفي أعقاب الغزو، استهدفت مجموعة الأنباري في تلعفر أي شخصٍ اعتبرته مهرطقًا أو عائقًا لها؛ فهاجمت الشيعة وأعضاء الإخوان المسلمين والمخبرين المحليين، بغض النظر عن القبيلة التي ينتمون إليها.

وعلى النقيض، استغرق الزرقاوي عامًا آخر ليعتنق ذلك الفكر «الطائفي المُتشدِّد». وبعد أن أعلن الزرقاوي رسميًّا ولاءه لأسامة بن لادن، وأصبح زعيم القاعدة في العراق، كتب خطابًا إلى القيادة المركزية للقاعدة يُوضِّح فيه خطةً للهجوم على المدنيين الشيعة ودور عبادتهم. وأتت فكرة استهداف الشيعة على الأغلب من العراقيين المحليين مثل الأنباري، وربما من الأنباري شخصيًّا. وقبل عام 2004، كان تركيز الزرقاوي محصورًا على الأنظمة العربية العلمانية بشكلٍ كبير، ومثالٌ على ذلك هو تفجير السفارة الأردنية في بغداد عام 2003. ويقول ليث الخوري، الشريك المُؤسس لشركة «فلاشبوينت» الاستخباراتية بنيويورك، والذي يُراقب المجموعة عن كثب، إنَّ الزرقاوي وجد الآراء المناهضة للشيعة مُفيدةً في تعبئة السنة داخل العراق عام 2005، مما دفعه إلى إعلان حربٍ شاملةٍ ضد الشيعة «أينما كانوا».

وعلم حسن من حديثه مع مراد بطل الشيشاني، الخبير الجهادي البارز الذي تعود أصوله إلى مسقط رأس الزرقاوي، أنَّ محاكمات الزرقاوي في الأردن في منتصف التسعينيات بتهمة المشاركة في منظمةٍ إسلاميةٍ سرية لم تُقدِّم أي دليلٍ على اعتناقه للآراء المُتشدِّدة التي ارتبطت بداعش بعد عام 2003، وفي الأردن «لم يختلف الزرقاوي كثيرًا عن أقرانه الجهاديين، سوى في شخصيته. فقد كان أكثر تطرُّفًا ومجرمًا وما إلى ذلك، لكنَّه كان ضعيفًا من الناحية الأيديولوجية. وتأثَّر كثيرًا بما يحدث حوله في العراق»، وفقًا للشيشاني.

ويوضح حسن أنَّ الأنباري أدى أيضًا دورًا مباشرًا في تحويل القاعدة داخل العراق من قوةٍ يُسيطر عليها الأجانب إلى قوةٍ يُديرها العراقيون. وتكشف السيرة الذاتية التي كتبها عبد الله أنَّ الأنباري أُرسِل من طرف الزرقاوي إلى باكستان أواخر عام 2005، لتقديم تقريرٍ لقادة القاعدة بشأن الشائعات المتناثرة عن إبعاد فرع العراق للجهاديين غير العراقيين. (وتُمثِّل تفاصيل رحلة الأنباري اعترافًا نادرًا بحقيقة استخدام إيران كممر عبورٍ في المنطقة). وحين عاد الأنباري، قدَّم خطةً لدمج القاعدة في العراق مع القوى المحلية الأخرى، وتأسيس مجلس شورى المجاهدين في يناير (كانون الثاني) عام 2006. وترأس الأنباري المجلس مُستخدمًا اسمه الحركي الجديد: عبد الله رشيد البغدادي.

وبعد مُضي عامٍ واحد، أعاد التنظيم المحلي «المُعرقن» الجديد تسمية نفسه بلواء الدولة الإسلامية في العراق، وارتفعت وتيرة هجمات التنظيم ضد الشيعة والأمريكيين ارتفاعًا كبيرًا.

ووفقًا لحسن، ألقى الجنود الأمريكيون القبض على الأنباري في بغداد عام 2006، وقُتِل الزرقاوي بعد شهرين من تاريخه، لتُكتب نهاية نفوذه في تلك اللحظة بالطبع. أما الأنباري، الذي ظل رهن الاحتجاز حتى مارس (آذار) عام 2012، فقد ظل مُنخرطًا في قصة الحركة الجهادية بتجنيد زملائه السجناء وتلقينهم أفكاره. وإثر إطلاق سراحه، الذي يبدو أنَّ الدولة الإسلامية في العراق دبَّرته برشوة المسؤولين العراقيين، استدعاه أبو بكر البغدادي إلى بغداد وأوكل إليه مهمةً خطيرة.

انطوت مهمة الأنباري الجديدة على التحقيق في ما إذا كان فرع التنظيم داخل سوريا، الذي عُرِف وقتها بجبهة النصرة، ما زال مواليًا للبغدادي. وتوصَّل الأنباري إلى أنَّ أبا محمد الجولاني، قائد الفرع السوري، هو «شخصٌ ماكرٌ وذو وجهين»، وفقًا لتقريرٍ نشره داعش، فتآمر الأنباري والبغدادي عليه. وكوَّن الاثنان علاقاتٍ مُستقلةٍ مع أعضاءَ بارزين في جبهة النصرة، قبل أن ينفرد البغدادي بالإعلان عن دمج الفرعين. ورغم أنَّ ذلك الاندماج لم يدُم طويلًا، انتقل العديد من قادة جبهة النصرة إلى تنظيم البغدادي. وكُلِّف الأنباري أيضًا بالتواصل مع القاعدة، تحت الاسم الحركي أبي صهيب العراقي، لحل الخلاف الجهادي الداخلي. لكنَّ جهود المصالحة فشلت، وأعلنت القاعدة تنصُّلها من داعش رسميًا في فبراير (شباط) عام 2014.

وبالنسبة للمعارضة في سوريا، كان الأنباري مُمثِّلًا لداعش خلال اللقاءات والمفاوضات التي جرت بين الطرفين في الفترة التي امتدت من أواخر عام 2012 وصولًا إلى صيف عام 2014. وإثر الاستيلاء على الموصل، حوَّل جُل اهتمامه إلى صقل أيديولوجية التنظيم. وأصبح بالفعل المُنظِّر الأكبر، مما أهَّلهُ لتدريب كِبار علماء الدين، وأمر الأعضاء بصياغة النصوص الدينية وإصدار الفتاوى المُتعلِّقة بالقضايا الكُبرى التي تُؤثِّر في دولة الخلافة. وتحت إشرافه، حُكِم على طيارٍ أُردنيٍ بالإعدام حرقًا، تحقيقًا لرغبة الأنباري الشاب في حرق الغجر الذين أتوا إلى مجمع برزان، وتعرَّض اليزيديون الذين قابلهم التنظيم للذبح أو الأسر، وذُبِحَت قبيلتان في سوريا والعراق بالكامل تحذيرًا من التمرُّد في أعقاب سيطرة التنظيم على ثلث العراق وقرابة نصف سوريا. ووصف الأنباري «المعارضة» السورية المعتدلة بالمُرتدين في عام 2013، وأصدر فتوى مُفصَّلة بحقهم.

ويذكر حسن أنَّ البغدادي في وقتٍ لاحق عَيَّن الأنباري في منصب وزير مالية التنظيم، وهي المهمة التي شملت السفر باستمرارٍ بين سوريا والعراق. وفي مارس 2016، وخلال واحدةٍ من تلك الرحلات، قُتِل الأنباري قُرب مدينة الشدادي السورية على الحدود السورية- العراقية. وبحسب ما ورد في السيرة الذاتية، حاول الجنود الأمريكيون القبض عليه خلال إحدى الغارات، لكنَّه فجَّر نفسه باستخدام حزامٍ ناسف. وبهذا عاش الأنباري 10 سنواتٍ بعد وفاة الزرقاوي، وكان تأثيره أكبر بكثير.

يقول حسن في تقريره إنَّ تجاهل الباحثين لإسهامات الأنباري ربما يرجع إلى أنَّه كان من الصعب جمع أي معلوماتٍ عنه. إذ كان يمتلك مثلًا عشرات الأسماء الحركية. وعلى مدار سنين طويلة، كانت الولايات المتحدة تظُنُّه شخصين مختلفين على الأقل. ولم يمتلك المسؤولون سوى صورتين له فقط. وحين احتُجز لفترةٍ وجيزةٍ في الموصل عام 2005، لم يتعرَّف إليه مُحتجزوه الأمريكيون لأنَّه استخدم وثائقَ مُزيَّفة. وفي المرة الثانية التي اعتُقِلَ فيها عام 2006، تعاملوا معه بوصفه عالم الدين الإرهابي المحلي من تلعفر، وليس زعيم مجلس شورى المجاهدين الذي تُسيطر عليه القاعدة.

ليس من بنات أفكار الزرقاوي

بينما كان الزرقاوي هو من قاد المجموعة الجهادية التي تحوَّلت بعد ذلك إلى الدولة الإسلامية في العراق، ثم أصبحت ما نعرفه بتنظيم داعش، يرى حسن أنَّه لا يمكن القول إنَّ داعش كانت من بنات أفكار الزرقاوي، ففي هذا تبسيطٌ مخل للحقيقة. ويتَّفقُ الخبراء الذين راقبوا نشاط الزرقاوي المُبكِّر عن كثب، على أنَّ الجهادي الأردني لم يمتلك رؤيةً طائفيةً واضحةً قبل وصوله إلى العراق، ولم تخرج أفكاره في السابق عن إطار الآراء العالمية الجهادية السائدة. وفي حديثه مع ندا باكوس، مُحلِّلة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السابقة ومؤلفة الكتاب المُنتظر: «The Targeter: My Life in the CIA, on the Hunt for the Godfather of isis»، علم حسن أنَّ الزرقاوي «رجلٌ تكتيكيٌ جيد، وليس مفكرًا إستراتيجيًا، بل كان يستجيب للظروف المُحيطة به. ووقعت على عاتق المُقرَّبين منه مهمة بناء الاستراتيجية اللازمة لتحقيق ما يُريده».

ومن المؤرخين الذين استشهد بهم حسن المؤرخ العراقي هشام الهاشمي، المُختص بشؤون المجموعات الجهادية ومستشار الحكومة العراقية في ملف داعش، والذي درس عن قربٍ حركة التمرُّد ضد الولايات المتحدة منذ بدايتها. يشير الهاشمي إلى ثلاثة مُنظِّرين عراقيين أسهموا إسهامًا مُباشرًا في تشكيل فكر الزرقاوي ومنهجه. ولِكُلٍ منهم ملفٌ مُشابهٌ للأنباري من ناحية التعليم الديني، وجميعهم كانوا على قائمة المطلوبين لدى النظام السابق بسبب أفكارهم وأنشطتهم المُتشدِّدة: أولهم هو أبو عبد الرحمن العراقي، مُساعد الزرقاوي السابق، الذي يقبع في السجن حاليًا؛ وثانيهم هو نظام الدين الرفاعي، الذي قُبِضَ عليه عدة مراتٍ بدايةً من عام 1978 لتورُّطه في حركة الموحدين السلفية، ويقبع الآن في السجن؛ وآخرهم هو عبد الله عبد الصمد المفتي، المطلوب منذ عام 1991، وهو مُنظِّرٌ سلفيٌ يحظى بتقديرٍ كبيرٍ في العراق.

وفقًا لحسن، يقول الهاشمي إنَّ هؤلاء العلماء الجهاديين العراقيين قدَّموا أفكارًا رفضتها القاعدة وتبنتها داعش، ومنها الطائفية المُتشدِّدة، ومفهوم إنشاء الدولة الإسلامية. وتابع الهاشمي: «يُعتبر هؤلاء العلماء مدرسةً في الفقه والمنهجية، فضلًا عن النصوص الدينية الأصولية. كان الزرقاوي مُجرد قائدٍ يعمل وفقًا لمنهجهم، وهذا يُفسِّر انحراف منهجه عن المقدسي وبن لادن إثر اختلاطه بالشعب العراقي».

ويضيف حسن أنَّ ما يُميِّز الأنباري عن أولئك العلماء هو دوره التنظيمي رفيع المستوى داخل القاعدة في العراق وضمن صفوف داعش بعد ذلك، علاوةً على اعتناقه لآراءَ طائفيةٍ مُتشدِّدة قبل عِقْدٍ من ظهور الزرقاوي، فضلًا عن أنَّه أعلى علماء الدين رتبةً وأطولهم خدمةً داخل التنظيم منذ إنشائه وحتى وفاته.

ويختم حسن تقريره بأَّن إدراك الدور المركزي الذي أدَّاه الأنباري في تكوين داعش، والأحداث التي صقلت القادة من أمثاله قبل غزو عام 2003، يُؤكِّد لنا أنَّ المجموعة لم تكن صنيعة جهاديٍ أردنيٍ ماكرٍ واحد. إذ يبدو أنَّ الزرقاوي نزل في العراق ليجد أنَ الخطوط الأيديولوجية العريضة للمجموعة التي سيقودها في يومٍ من الأيام قد تحدّدت بالفعل. فتأثَّر بالبيئة القائمة والمُنظِّرين المحليين الذين شكَّلوها أمامه.

ويرى حسن أنَّ ذلك التمييز مهم؛ لأنَّه لو كان تنظيم داعش قد بدأ يتبلور قبل عِقدٍ على الأقل من الغزو الأمريكي ووصول الزرقاوي، فهذا يُفسِّر قدرته على الصعود للسيطرة على بلدٍ مُتنوعٍ ديموغرافيًّا مثل العراق؛ إذ يمتلك التنظيم جذورًا متأصلةً أكثر مما أُقِرَّ به في الماضي.