معضلة تلوح في الجنوب السوري: هل سيتواجه الأردن مع مليشيات شيعية فعلاً؟

96

لا يمكن التنبؤ إذا ما كانت ستنجح الخطة الروسية في إبعاد الأنظار عن “الجولان” والجنوب الغربي لسوريا بعد الآن أو لا، فالجنوب الغربي اليوم والذي أعلن الاسرائيليون فيه حالة التأهب والاستنفار، بات مفتوحاً على كل الاحتمالات، إثر استباق الرئيس الامريكي دونالد ترامب موعده (12 مايو) واعلان انسحابه من الاتفاق النووي واعادة العقوبات على ايران.

الاردنيون سهروا ليلتهم بانتظار تطورات المعركة، والتي بدأت بصواريخ نقلت مصادر ايرانية ومقربة من الحكومة السورية انها اسرائيلية، الامر الذي يبدو ان الاسرائيليين قرروا فيه اعادة سيناريو “الحرب الاستباقية” في عام 1967 مع اختلاف الحيثيات والتفاصيل. حتى كتابة التقرير ايران لم تنجر للمعركة، رغم التشكيك الكبير بها وبما قد تقدم عليه اصلا من جانب بعض الاردنيين.

واشنطن إذاً، وبانسحابها رمت الكرة في الملعب الاسرائيلي، بعدما سعت روسيا وبصورة واضحة خلال الفترة الماضية تلافي “اشتعال الجنوب الغربي” واستعاضت عنه بالجنوب الشرقي حيث مثلث التنف الحدودي بين سوريا والعراق والاردن. روسيا اعتبرت المثلث وبطريقة اسطورية “اخطر بقعة في الجنوب السوري”، بينما تجاهلت الولايات المتحدة كل الادعاءات حوله، الامر الذي لم يعد اليوم مضمون المضيّ اصلا، رغم هندسات موسكو لتوجيه الانظار للمثلث الحدودي.

بغض النظر عن الرغبة الروسية، او الامريكية او حتى الاسرائيلية والايرانية، فالأردن هو الوحيد الابعد عن اتخاذ القرار بالحرب او المعركة، والاقرب لان يكون جزءاً منها، سواء كانت على الحدوده الشمالية الشرقية او نظيرتها الغربية، وانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي رجح الاخيرة للانفجار اكثر من سواها.

 

قاعدة التنف.. وترجيح روسيا..

في الاسبوع الماضي، وبكل الاحوال، بدا من السهل جدا تتبع الرغبة الروسية بترشيح التنف ليكون مثلث الموت او الشيطان، على غرار مثلث “برمودا” في المحيط الاطلنطي، وهو امر تزامن مع استمرار الجيش السوري في التوجه جنوبا، وتزايد المليشيات الايرانية في المنطقة، الامر الذي “آجر به” العراق حيث هندسه عبر وزير خارجيته ابراهيم الجعفري تفاصيل التعامل معه مع الاردن في عمان، وان بصورة غير مباشرة.

هندسة “تصفية” المثلث، تبدو مرحلة قريبة في الأزمة السورية وحروب الوكالة فيها، فالقاعدة الامريكية في المثلث ذاته تزيد الجنوب كله تعقيدا، لمنح وجود هذه القاعدة بُعداً تأكيدياً على الخطة الامريكية القاضية باقامة دولة جنوبية في سوريا، في الوقت الذي ترى روسيا فيه نفسها “مضطرة” للحسم وبأقصى سرعة ممكنة خطة “دولة الجنوب”، قبل ان تزداد حدة التوتر بين الايرانيين والذين تزداد عناصرهم في الجنوب والاسرائيليين المتواجدين وبكثافة في الجنوب الغربي (على الجهة المقابلة للتنف).

الجميع يحوّل انظاره للمثلث الحدودي ليس فقط بسبب الخطة الامريكية التي تتصاعد تفاصيلها، بل وحتى اتّقاءً للذهاب للنقاط الحساسة في الجنوب الغربي، حيث اندلاع اي مواجهة مهما كانت صغيرة، لا يمكن لأحد التنبؤ بتبعاتها، خصوصا مع زيادة الضغوط على ايران اليوم، بالتزامن مع تعاظم التهديد الاسرائيلي.

هذه التفاصيل يمكن “اشتمامها” بسهولة من تتبع لقاءات وزير الخارجية الاردني أيمن الصفدي خلال الاسبوع الماضي، حيث بدأ باستقباله وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو- والذي يبدو الاكثر تشددا وعنصرية في وزراء خارجية واشنطن خلال السنوات الاخيرة-، ثم توجه الصفدي بعد ذلك ومباشرة لنظيره الروسي سيرغي لافروف، والذي يبدو انه كان حاضراً لتوجيه المعركة القادمة من كونها في “الجنوب كله” الى المثلث الحدودي ذاته، وهو امر تمهد له روسيا اصلا منذ شهرين تقريبا.

روسيا بدت وكأنها حسمت موقفها باتجاه التنف، حيث تصريحات وزير خارجيتها اعلنت اشارتين بغاية الدقة: الاولى انه يرصد “تحركات غريبة” في القاعدة الامريكية واتهم فيها الولايات المتحدة بتدريب “جماعات متطرفة”، والاخطر انه قال ان الجماعات المذكورة “لا تدخل ضمن اتفاق وقف التصعيد” وهو ما لا يمكن تجاوزه واعتباره جملة عابرة خصوصا في الحالة الروسية.

القلق من الوجود الامريكي في هذه المنطقة، ليس لروسيا فقط، وانما لمحور الحكومة السورية وايران وروسيا كله، خصوصا بعد المعلومات القادمة من واشنطن حول استمرار الرغبة الامريكية (وتفاهمات مع فرنسا وبريطانيا والسعودية وبحضور الاردن) في انشاء كيانات تقسيمية داخل الحدود السورية، ومن ضمنها دولة الجنوب او “إمارة حوران”، وهنا نتحدث عن اشتباك مباشر بين الاردن والامارة- والامر ليس مرهونا باعلانها من عدمه، قدرما هو مرهون ببقاء الجيش السوري الحكومي بعيدا عن المنطقة-.

 

كلمة “التاريخ” في الجنوب..

عمان بطبيعة الحال تربطها علاقات وثيقة مع الجنوب وعشائره، وكما ذكرت “رأي اليوم” في تقارير سابقة فسهل حوران والسويداء تضمان العشائر الاقرب للاردن من الدروز والحورانيين، كما ان ما عرف بـ “جيش العشائر” في الجنوب والذي انشأته الولايات المتحدة ترعاه العاصمة الاردنية، وهذا ليس سراً، كما ليس سراً ان عمان من حاولت ترتيب صفقة بين المعارضة السورية في الجنوب والجيش السوري قبل اشهر تتضمن نوعا من التكاملية بين الطرفين في ادارة معبر نصيب- جابر، وهو ما عادت بعده العلاقات الاردنية السورية للتأزم، حين ادركت دمشق اصرار عمان على عدم التنازل عن ورقة الفصائل المعارضة، وادرك الاردن اصرار الحكومة السورية على السيطرة منفردة.

الامور اليوم بدأت تختلف بعض الشيء، فالجنوب السوري مليء بما تصطلح عمان على تسميته “الميليشيات الطائفية” والمقصود به الجنود التابعين لايران ولحزب الله اللبناني- والذي يحيا اليوم نشوة نصرٍ في بلاده حيث حصد اعلى مجموع في الانتخابات البرلمانية-، وهؤلاء (اي حزب الله وميليشيات ايران) لا رغبة للأردن وجيشه بمواجهتهم عسكريا وللأمر ابعاد تاريخية طبعاً.

فالأردن، هو اخر دولة تقوم على الحكم الهاشمي عمليا، وتدرك عمان جيداً ان الشيعة بصورة عامة ومليشياتهم بصورة خاصة، يكِنّون لآل البيت (ومنهم الاسرة الحاكمة في الاردن) الكثير من التقدير والاحترام، وهذا ما اسهم في منعهم ويفعل من توجيه اي اذىً للاردن تاريخيا، وهو ما يجعل عمان- على قلقها- تعتبرهم حتى اليوم “جبهة مغلقة” ولم تفتح عليها، وبالتالي فلا رغبة للاردن بفتح هذه الجبهة. الامر الذي يفسر السعي المستمر لعمان لاغلاق اي فرصة لاندلاع المعارك على حدودها مع المليشيات الشيعية، ودأبها على الحفاظ على خفض التصعيد في الجنوب السوري.

التاريخ وتفاصيله، يفسر ايضا اصرار عمان على الحديث “فقط” عن محاربة “تنظيم الدولة الاسلامية” او ما عرف بـ “داعش” في الجنوب خلال كل التصريحات، بما فيها التي جمعت الوزير الصفدي مع نظيره العراقي ابراهيم الجعفري قبل يومين؛ حيث ورغم “اختفاء” تنظيم الدولة بكل الاحوال، الا ان الاردن ليس معنيا بفتح اي جبهة جديدة سواء مع الفصائل المعارضة التي تريد روسيا ومحورها قتالها، وهي بالمعظم اصلا كان للاردن دور في تأهيلها تارة وفي تنظيمها تارة اخرى تحت الوصاية الامريكية. أو جبهة ضد الميليشيات الايرانية/ اللبنانية والتي لم يحصل معها اي تماس اصلا، خصوصا وهذه تعني ان عمان قد تدخل ضمن خانة اعداء “المنتصرين” في سوريا والذين يمثلهم محور النظام السوري ومن معه.

 

“سكّن تسلم”..

كل هذا التعقد في الجنوب السوري يجعل “السكون” اسلم الحركات التي ممكن لعمان اتباعها، ففتح اي جبهة يعني بالضرورة الدخول للازمة السورية التي امتنع الاردن عن الخوض فيها عمليا منذ سبع سنوات مرت، بالاضافة لكونه يعني، مجددا الانفتاح على كل الاحتمالات وبأسوأ التوقعات.

اليوم تقاوم عمان بكل المفاصل اي تدخل عسكري في سوريا، وترفض التعليق عن كون الولايات المتحدة “اتفقت معها” على تأمين حدودها من تنظيم الدولة، وهو ما اعلنته الناطقة باسم وزارة الخارجية في واشنطن، لا بل وتذهب ابعد من ذلك وهي تفتح المجال امام تطبيع العلاقات الاقتصادية مع سوريا بعد سنوات من الانقطاع، حيث يتواجد وفد اقتصادي في دمشق لمدة 4 أيام الان، وتحاول احتواء الاشكالات المتزايدة مع العراق وتؤكد على اتفاقها معه في حربه ضد “داعش”.

كل هذا يحصل، بينما يدرك الاردن جيداً ان المرحلة التي يحياها الجنوب السوري اليوم “خطرة جدا” والاعصاب فيها مشدودة بصورة كبيرة، خصوصا مع تزامن ذلك مع انسحاب الرئيس الامريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي. وتبعات هذا القرار المتوقعة على الجنوب السوري من جهة، والحنق المتزايد على واشنطن في الشارع الاردني والذي سيتصاعد خلال الفترة المقبلة بالتزامن مع نقل السفارة الامريكية الى القدس.

في الاثناء تتريث بغداد بالبدء بمعركة المثلث الحدودي، حيث لا تحتاج لمثل هذه المعركة تزامناً مع انتخاباتها البرلمانية ومعركة حكومتها الداخلية، وهذا ما يجعل الاسبوع المقبل هو الاخطر بالنسبة للمنطقة، حيث قرارات واشنطن تكون قد اتخذت وبدأت تبعاتها، وانتخابات بغداد حُسمت، في حين تجلس عمان على مقاعد الانتظار الصعب.

بكل الاحوال، موقف عمان لا يمكن لأحد أن يحسدها عليه، فهي ترى جيدا كل ما يجري على حدودها وتراقب تقلبات الاقليم، وتدرك جيدا ان تحالفاتها يمكن لها ان تكبّلها بأي وقت، خصوصا التحالفات مع واشنطن ومن خلفها الرياض، وهو الامر الذي تحتاج فيه للكثير من الجهد والدقة في التعامل معه، دون فتح اي جبهة جديدة بالتزامن مع اشكالاتها الداخلية والخارجية المعقّدة اصلا.