زيارة تيلرسون المُثيرة: عمّان “فرْمَلَت” اندفاعها واحتضنت المُعارضة السوريّة “المُهذّبة”..

114

مجرد التقاط الصور التي جمعت بين وزير الخارجية الامريكي ريكس تيلرسون ورئيس هيئة التفاوض التابعة للمعارضة السورية الدكتور نصر الحريري في العاصمة الأردنية عمان، قد يوحي بوضوح بشكل دور يعاود الظهور للأردن بدلاً من ذلك الذي انفرد به في ما عُرف بـ “أزمة القدس”.

عمان بهذا المعنى قايضت عمليّاً وبنعومة، الدور الغاضب إزاء أزمة القدس- التي افتعلها الرئيس دونالد ترامب بإعلان القدس عاصمة لاسرائيل- بدور قد يكون اقل خشونة في احتضان معارضة سورية “مقلّمة ومهذّبة” بعدما اهتمت الرياض بتخفيف حدة المعارضة فيها خلال مؤتمرين عقدا في العاصمة السعودية.

واشنطن بارسالها تيلرسون، وبعد ايام على زيارة نائب الرئيس الامريكي التي بدت متوترة وتركت الاعصاب مشدودة بين البلدين، ترسل رسائل تهدئة لعمان وتؤكد على التحالف الثنائي بين البلدين، خصوصا بالتأكيد على كون وزير خارجية الولايات المتحدة لا يمثل الادارة الامريكية التابعة للرئيس قدرما يمثل اكثر الدولة الامريكية العميقة الراغبة في عدم تطور الازمات بين واشنطن والمنطقة.

رسائل تيلرسون لعمان وللمنطقة واضحة، بأن حتى واشنطن لا تعتبر اعلان رئيسها “مفصليا” في القدس، وهنا تفهم عمان ذلك، خصوصا وان الخط الأحمر بالنسبة للاردن في هذا الملف يكاد يكون محصورا في الوصاية الهاشمية على المقدسات، وعلى قاعدة ان الاعلان الامريكي لا يعني شيئا بالقانون الدولي، رغم كل ما عناه في حينه.

امام زيارة تيلرسون، وجدت العاصمة الاردنية نفسها مضطرة للميل حيث الرياح وعلى قاعدتين اساسيتين، الاولى ان احدا من الدول العربية ليس الى جانب الاردن وفلسطين بصورة حقيقية وبالتالي فعمان قد تكون وحيدة في مواجهة “الجنون الامريكي” الذي لا يزال محتملا، رغم رسالة التطمين. وهنا طبعاً خيارات الذهاب لمحور كأنقرة- طهران في قضية القدس يعني احراق سفن اي عودة محتملة للعلاقات مع واشنطن والسعودية ثم الاسرائيليين، وهو ما لا تجد العاصمة الاردنية نفسها قادرة على تحمل تبعاته جميعا.

 القاعدة الثانية والاخطر، ان الازمة الاقتصادية “خلخلت” عمليا هيبة الدولة الاردنية امام مواطنيها في فترة حساسة، وهنا حصرا، جاء التجديد للمنحة الاردنية من جانب الولايات المتحدة هامّا واساسيا، ليس فقط لان قيمته تزيد على مليار دولار وفي وقت عصيب اقتصاديا، وانما لان تبرير العودة للولايات المتحدة ومحورها بعد منطوق القيادة حول ضعف الدعم القادم للاردن بسبب الموقف الاردني تجاه القدس، بات يحتاج ادلة ملموسة حين يتغير الموقف ويتبدل.

زيارة تيلرسون جاءت سابقة ومباشرة لزيارة ملكية للعاصمة الروسية والحديث صراحة عن كون روسيا من تملك مفتاح الحل في الاراضي السورية، بعدما احتضنت عمان ذلك اللقاء الرمزي اكثر منه حقيقي بين رئيس هيئة التفاوض وتيلرسون، ثم لقاء الطرفين مع الخارجية الاردنية.

طبعا احتضان لقاء من هذا الوزن عنى بالضرورة عودة عمان الدقيقة جدا لمحور واشنطن- الرياض من جهة، والابقاء على علاقات جيدة مع تركيا كممثلة للمعارضة السورية في سوتشي وليس كحليفة لايران في ملفات اخرى كالقضية الفلسطينية والقدس، وبهذا تكون العاصمة الاردنية وجدت لنفسها المخرج الانسب في الابقاء على الشراكات البعيدة قليلا عن الخط الاحمر: طهران- حزب الله- النظام السوري، وان كانت لا تزال عمان ترى انها تحافظ معهم على “شعرة معاوية”، وهنا الحديث عن علاقة فاترة جداً مع الاطراف المذكورة، خصوصا مع ترك المجال للوزير الامريكي للتعبير عن المخاوف الامريكية من المنصة الاردنية دون “زيادة اردنية”.

بهذه الصورة يمكن فهم زيارة موسكو على قاعدة “الشراكة مع الروس لا تعني شراكة مع حلفائهم” من جهة، ومن جهة اخرى بزيادة التقارب مع المكونات الدينية في روسيا وبالتالي الزيادة الضرورية في ثقل “الوصاية الهاشمية” على المقدسات في القدس، وهو الامر المعنية فيه الدولة الاردنية بصورة اساسية.

في الملف السوري، عمان تبدو اقرب من اي وقت مضى للرياض ومنصتها ومؤتمرها، رغم ان العاصمة السعودية لا تظهر الود الملموس والمطلوب من الجانب الاردني، وهذا القرب يفرض بمفارقة واضحة  استكمال التقارب مع انقرة التي تعتبر نفسها ممثلة للمعارضة السورية في التحالف الثلاثي مع موسكو وطهران، وهنا يمكن ان تظهر الزيارة التركية لمولود جاويش اوغلو وزير الخارجية التركي لعمان بوضوح مع اهدافها، خصوصا وهي تأتي مباشرة بعد مغادرة تيلرسون لكلا البلدين.

بكل الاحوال، الدولة الاردنية “فرملت” جيدا اندفاعاتها التي فرضها ملف القدس، سواء في مؤتمر اسطنبول او حتى في التصعيد في وجه الامريكيين، لتعود مجددا الى حاضنتها التاريخية رغم ما ظهر من اختلافات في المواقف، انعكست ماديا واقتصاديا على الشارع الاردني.

العودة المذكورة بطبيعة الحال لا تسمح عمليا بالتقارب المرجو مع العراق، والذي تسيطر ايران على التأكيد على ابقائه مع عمان في مربع التوجس، وهو ما يعني المزيد من العراقيل امام فتح معبر طريبيل، رغم الزيارات البروتوكولية المتبادلة والتي اخرها زيارة وزير الداخلية قاسم الاعرجي لنظيره الاردني غالب الزعبي (اثناء كتابة هذا التقرير).

العودة للمحور السعودي الامريكي ايضا تمنع اي تقارب بالنتيجة مع النظام السوري، وبالتالي الابقاء على الحدود الشمالية مغلقة “اقتصاديا” ودون اي منافع ترجى منها والى اجل غير واضح حتى اللحظة.

بالنتيجة، لا احد يمكنه التنبؤ ان كانت عمان قد تحصل على اي مقابل مادي للعودة المذكورة، وان كانت تصريحات رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي الاخيرة عن “عدم قياس التحالفات بالمقابل المادي” في السياق توحي بانها لن تحصل على شيء، الا انها بالتأكيد حصلت على دور “حاضنة محتملة” للمعارضة السورية المفاوضة ضمن الحواضن الاخرى في الرياض واسطنبول وحتى القاهرة، ما قد يؤكد لها حجز المقعد في مؤتمر اسطنبول المقبل، ولكنه لن يضمن بالطبع اي تبعات سواء من النظام السوري او حتى ايران التي لا تزال عمان ترفض الحوار معها مباشرة.

التعليقات مغلقة.