د. حسن البراري يكتب عن الكونفدرالية: استبدال الدبابة الاسرائيلية بدبابة أردنية!

146
  • تأييد بعض الإسرائيليين لإقامة دولة فلسطينية مستقلة لا يأتي في سياق اعترافهم بحق الفلسطينيين وإنما بغية الانفصال عنهم
  • تيار عريض من الأردنيين يربط بين فكرة الكونفدرالية و”التنفيذ الناعم” لصفقة القرن
  • إسرائيل لا تشعر بضرورة حل الصراع مع الفلسطينيين، فقادتها يفكرون أن الوقت في صالحهم حتى يستكملوا آخر حلقات المشروع الصهيوني
  • وسيلة لنقل الصراع بين اليهود والفلسطنيين لصراع بين الأردنيين والفلسطينيين.

لا يكاد يخفت الحديث عنه، حتى يعود مصطلح الكونفدرالية ليحتل مكانة بارزة في أوساط النخب السياسية، بل وبين الناس أيضا؛ فهل باتت الكونفدرالية المزعومة لعنة تلاحق الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء؟ وإلا لماذا يرفضها الطرفان؟ وهل يعني القبول بها التخلي عن الثوابت الوطنية التي نشأت أجيال كاملة عليها؟

في الآونة الأخيرة، ومع توالي الأخبار والتحليلات عن ما يسمى صفقة القرن، وجدت الكونفدرالية الطريق معبدا أمامها، لتطل برأسها من جديد، وتحتل مكانة غير مسبوقة بعد تصريحات نسبت للرئيس الفلسطيني محمود عباس قال فيها، خلال اجتماع ضمه مع نشطاء سلام إسرائيليين مطلع أيلول (سبتمبر) الحالي، أنه يمكن أن يدعم فكرة الكونفدرالية إذا كانت تشمل إسرائيل أيضا، موضحا في الاجتماع ذاته أن اقتراح الكونفدرالية بين الأردن وفلسطين طرح عليه قبل عدة أشهر من قبل جاريد كوشنر وجيسون جرينبلات، وهما من كبار المسؤولين الأمريكيين العاملين في الملف الفلسطيني الإسرائيلي.

حديث الرئيس عباس، انتشر كالنار في الهشيم، وتناقله الناس والنخب على حد سواء، بل وتعامل معه البعض على أنه مسلمة لا لبس فيها.. في المقابل، توالت التأكيدات الأردنية برفض كل ما ذكر، حتى وصل الأمر إلى الملك عبدالله الثاني الذي تساءل “كونفدرالية مع من”، في إشارة تؤكد المؤكد المتمثل في رفض الأردن حتى مجرد الخوض في مثل هذا الموضوع على الأقل، في المرحلة الحالية.

ولم يكن الرفض أردنيا فحسب، بل أكد المستشار الرئاسي الفلسطيني نبيل أبو ردينة الرفض الفلسطيني لأي كونفدراليّة بدون قرار مباشر من الشعبين، مشيرًا إلى أن المشروع ليس جديدًا وعلى أجندة السلطة الفلسطينيّة مُنذ عام 1984، بحسب ما ذكرته “رأي اليوم”، فيما نقلت صحيفة “إسرائيل اليوم” عن مسؤول أردني لم تسمه تأكيده على أن “الرئيس عباس طرح عن قصد فكرة غير قابلة للتطبيق”.

فما السر وراء استمرار واصرار الجانب الإسرائيلي على طرح مشروع الكونفدرالية؟ ولماذا يعتبره الأردنيون والفلسطينون خطرا حقيقا على الشعبين وهويتهما الوطنية على حد سواء، وخصوصا في المرحلة الحالية؟ وما الشروط الواجب توفرها قبل التفكير في مثل هذا المشروع؟.. تلك وغيرها من الأسئلة المحورية يسعى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور حسن البراري للإجابة عليها في مقالته التالية.

لا تُطرح فكرة الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية في سياق وحدويّ أو بوصفها تعبيراً عن رغبة مشتركة بين دولتين مستقلتين، بل تُطرح في سياق محاولات تصفية القضية الفلسطينية مرة وإلى الأبد، وهكذا تصبح الكونفدرالية اسم حركي أو تعبير مخفف للتغطية على هدف إسرائيل الاستراتيجي القاضي بالتخلص من السكان الفلسطينيين والاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الأرض الفلسطينية.

إسرائيلياً، شكلت المقاربة الديمغرافية أساس ما يسمى برغبة اليهود في الانفصال عن الفلسطينيين للحفاظ على يهودية وديمقراطية دولة إسرائيل، واللافت أن تأييد بعض الإسرائيليين لفكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة لا يأتي في سياق اعترافهم بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم على ترابهم الوطني وإنما بغية الانفصال عنهم؛ ففكرة الانفصال متجذرة في الفكر الصهيوني  إذ بدأت مع بزوغ مقاربة الجدار الحديدي الذي نادى به جابوتنسكي للحفاظ على اليهود في كيان مستقل آمن لا يختلط به أحد.

بدأ الحديث بشكل جديً عن انفصال الإسرائيليين عن الفلسطينيين بأول مؤتمر من سلسلة مؤتمرات هرتسليا الذي انطلق في العام 2000. في تلك السنة قدّم البرفسور الإسرائيلي من جامعة حيفا أرنون سوفير دراسةً مثيرةً وضعت لاحقا في كتاب بعنون “إسرائيل 2020: فرص ومخاطر”. وفي هذه الدراسة وضع أرنون سوفير خططاً مختلفة للتخلص من أعداد كبيرة من الفلسطينيين حتى يتحقق النقاء اليهودي للدولة. صحيح أن البعض ينظر إلى ارنون سوفير كمفكر عنصري، لكنه في الوقت ذاته يعبر عن تيار عريض يعلي من قيمة يهودية الدولة.

وبهذا المعنى، فإن حماس بعض الإسرائيليين لدور أردني غرب النهر لا يأتي استجابة للرغبة في البحث عن مخرج لعملية السلام وانما لضمان الحصول على شريك عربي يقبل بلعب دور أمني في بقايا جغرافيا فلسطين لصالح المشروع الصهيوني وأمنه. ويعد غيورا إيلاند من أوائل من كتبوا عن الحل الإقليمي وفيه تصوّر أن هناك مصلحة استراتيجية للأردن للعب دور في الضفة الغربية بعد أن تم القضاء على فكرة حل الدولتين؛ فالحديث عن دور أردني يأتي في سياق استحالة تحقيق حل الدولتين وهو أمر ترفضه النخب الأردنية جملة وتفصيلا.

إسرائيل ضمن هذه الرؤية لا تشعر بضرورة حل الصراع مع الفلسطينيين، فقادتها يفكرون أن الوقت في صالحهم حتى يستكملوا آخر حلقات المشروع الصهيوني، وتستفيد إسرائيل في لعبة شراء الوقت من الانقسام الفلسطيني وموقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي تؤيد إسرائيل ولا تعاقبها على تخريب أي محاولة للبدء في حل الصراع.

في الأردن، يتحدث الأردنيون عن تصوراتهم لحل الصراع، ويأتي الموقف الرسمي ليؤكد دعمه لخيار إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافيا عاصمتها القدس الشرقية وتحادي الأردن جغرافيا. علاوة على ذلك، يشترط الأردنيون أن تكون الدولة الفلسطينية قابلة للحياة. وفي غير مناسبة عبّر الملك عبدالله الثاني عن تخوفه من التهديد الناجم عن عدم قيام دولة فلسطينية مستقلة وعن أثر ذلك على الأمن الوطني الأردني. وبالفعل، قاد الأردن دبلوماسية نشطة تهدف إلى خلق الظروف المناسبة للتوصل إلى اتفاق حول حل الدولتين إلا أن الاستعصاء في عملية السلام أحبط الأردنيين.

يرفض الأردن فكرة الكونفدرالية مع الفلسطينيين لأسباب ترتبط بحسابات الأردنيين بالبقاء. وربما تساؤل الملك عن “الكونفدرالية مع من؟!” يعكس تفهما أردنيا لمخاطر القبول بكونفدرالية مع الفلسطينيين قبل أن تقوم دولة لهم، وقبل ان تخضع الفكرة لاستفتاء شعبي غرب النهر وشرقه. وهناك تيار عريض من بين الأردنيين يربط بين فكرة الكونفدرالية وصفقة القرن إذ يرى أصحاب هذا الاتجاه بأن الكونفدرالية التي يطرحها جاريد كوشنر انما تأتي في سياق تنفيذ ناعم لصفقة القرن التي رفضها الفلسطينيون والأردنيون على حد سواء.

التيار الأمني في الأردن يرى في الكونفدرالية الوسيلة المباشرة لنقل الصراع ما بين اليهود والفلسطينيين إلى صراع بين الأردنيين والفلسطينيين، فأي إجراء يعبث في المعادلة الديمغرافية الدقيقة شرق النهر إنما يفتح صندوق الشرور ويمهد الطريق لصراع هوياتي لا يُعرف إن بدأ كيف سينتهي. فأمن الأردن لا يتحقق بكونفدرالية مع شعب من دون دولة، كما لا يرغب الأردنيون أن يلعبوا دورا أمنيا في الضفة الغربية لحماية أمن إسرائيل التي تتوسع بشكل منفلت من كل عقال. ومما زاد الطين بلة هو أن أي موافقة رسمية لهذه الفكرة إنما تدفع الأردنيين للتشكيك في موقف القيادة في وقت يحتاج فيه الأردنيون إلى أن يلتفوا خلف القيادة لمواجهة هذا المخطط الذي يستهدف الأردنيين والفلسطينيين معا.

بكلمة، الكونفدرالية بالشكل الذي تطرح به تخيف الأردنيين ولا تحقق لهم مصالحهم وتجعلهم في صراع دائم مع الفلسطينيين وكأن المطلوب استبدال الدبابة الإسرائيلية بأخرى اردنية دونما احترام لرغبة وحق الشعب الفلسطيني في التحرر من نير الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة المنشودة.