بلال ابو عاشور يكتب : توسيع مفهوم المواجهة مع ايران

102

بلال ابو عاشور

في الوقت الذي تعمل فيه إيران بجدية وعزم وجلد منقطع النظير في سبيل الأخذ بأسباب استعادة أمجادها الفارسية التي قضى عليها العرب “كما يدعون”, نجد أن العرب يكتفون باللطميات والبكائيات المحزنة المطربة! على جزر تم احتلالها ودول تم اختراقها وميليشيات تنتشر ومذهب يتم ترويجه في اغلب الدول العربية, وذلك عبر حسينيات القمم العربية وعزاءات المؤتمرات الخليجية.

إن أغلب العرب اليوم باتوا يُجمعون “بعد غياب وتجاهل طويلين” على خطورة المد الإيراني داخل المنطقة العربية والاسلامية, بل أنهم أصبحوا أكثر شجاعة وقدرة على التصريح بذلك, و لكن, هل يكفي ذلك الآن؟ وهل ذلك كل ما نحتاجه اليوم؟, هل يكفي أن نعلن الآن أن الخطر الإيراني اصبح محدقا ويهدد الدول العربية كافة؟

اعتقد انه وفي الوقت الذي باتت فيه إيران على مرمى حجر من عيدها النيروزي الأكبر “إعلان دخولها النادي النووي”, وفي الوقت الذي أصبحت فيه التنظيمات الموالية لإيران تمارس التخريب وزرع الفتن والفوضى في البلدان العربية دون خوف أو حياء, واثارة الشغب في دول الخليج، وفي الوقت الذي تحاصرنا القواعد والبوارج الإيرانية من عدة اتجاهات, و في الوقت الذي يعج الفضاء العربي والاسلامي بقنوات لنشر المذهب الإيراني والأخلاق الفارسية, في الوقت الذي يحدث فيه كل ذلك, يبقى الحديث عن خطر المشروع الإيراني على أهميته مضيعة للوقت.

إن التحدي الحالي لا يكمن في تكرار تلك المعزوفة المشروخة, بل في اتخاذ خطوات أكثر عملية على المدى القصير والبعيد لمواجهة سياسة التوسع والتمدد الايراني وتصدير الثورة، ومن بين هذه الخطوات، السعي إلى اختراق المجتمع الإيراني ثقافياً وتنوير وتحرير العقل الإيراني الرازح تحت سلطة توسعية, وسلطة دينية طائفية عنصرية, تغذي فيه عقيدة بغض العرب وتصورهم كألد الأعداء, ولذلك لا بد من وجود منظومة إعلامية عربية متكاملة ذات خطط إستراتيجية, كما يجب دعم المحاولات الإعلامية القائمة والتي يقوم عليها بعض أبناء إيران نفسها, و الذين يجاهدوت لتحرير العقلية الإيرانية من ربقة السلطتين الآنفتين, وهي محاولات ذات اثر مشجع بالرغم من ضعفها.

ويمكن الاستفادة من التجربة الإيرانية نفسها في مجال الاعلام, حيث بات جلياً أن الإيرانيين قد استطاعوا وعبر جهودهم الإعلامية اختراق الكثير من المجتمعات العربية, فهنالك القنوات الإيرانية الرسمية الموجهة للمشاهد العربي كقناة العالم, ناهيك عن القنوات المذهبية الممولة إيرانيا, فهناك ما يقارب الأربعين من القنوات الشيعية الموجهة تبث عبر القمرين الاصطناعيين نايل سات وعرب سات، وأن تلك القنوات تصاغ مادتها الإعلامية وفق العقيدة الشيعية وموجهة لخلخلة عقيدة أهل السنة بل والسعي لتشييع أكبر قدر ممكن.

ومن وسائل الاختراق الثقافي المطلوب, دعم الرموز الثقافية الإيرانية المعتدلة والمناوئة للمشروع الصفوي الجديد.
والاهم من هذا كله ان يدعم العرب المعارضة الإيرانية وعمودها الفقري حركة مجاهدي خلق، حيث ان هذا الدعم سيشغل النظام بنفسه وبالتالي سيكف تدريجيا عن دعم حروب الوكالة والتدخل في شؤون الدول العربية ودعم الميليشيات. وانخراط الدول العربية في تلك الحروب لا يخدم سوى النظام ومن الإجحاف أن تكون الدول العربية ضحية ذلك الصراع مع النظام الإيراني.

كما ان دعم المعارضة الإيرانية سيؤكد للجميع أن الصراع بين العرب وإيران هو صراع سياسي وليس طائفيا قوميا فقط كما يروج النظام لذلك.
لاجل هذا لا بد من توجيه الجهود نحو توسيع مفهوم المواجهة مع ايران, فليست المسالة حسماً عسكريا, بل مشروع ضخم يهدف إلى إعادة الوعي إلى العقل الإيراني و يعود به إلى فترة ما قبل العهد الصفوي, حيث كانت أكثرية أهل تلك البلاد على العقيدة الصحيحة, وعلى الاحترام المتبادل مع جيرانهم واخوانهم العرب.

واذا استمر العرب في عدم اتخاذ خطوات فعلية جادة في هذا الشأن، فان طهران ستشرعن نفوذها في المنطقة العربية الممتدة من شواطئ الخليج العربي حتى سواحل البحر المتوسط، وتجهد من أجل انتزاع اعتراف دولي على ما تبقى لها من امتداد جغرافي متعارف على تسميته بالهلال الشيعي.