تعديل حكومي “باهت” لا يخدم ارتفاع منسوب القلق .. محاصصة وزيادة لحصة الكرك

144

لا يقلل التعديل الوزاري في حكومة الأردن بحال من الأحوال منسوب القلق لدى النخبة الأردنية السياسية والاقتصادية بالتوازي، التي تلتقط اشارات الحراكات الرافضة لرفع الأسعار، على انها ارهاصات خطر على ثوابت الأردن الممثلة بالأمن والنظام.

ورغم ان التعديل حاول زيادة حصة  محافظة الكرك الجنوبية بنظامه القائم على المحاصصة، الا ان سياسيين اردنيين يؤكدون لـ “رأي اليوم” ان اجراء كهذا لن يكون ذو تأثير حقيقي على وعي الشارع الأردني، وغضبه.

ويرى خبراء سياسيون ان هتافات الشارع الاردني في مدينتي السلط والكرك الاردنيتين (تمثلان العاصمة السياسية ونظيرتها العسكرية في الأردن على التوالي)، تجاوزت سقف الشعارات التي ارتفعت في فترة ما عرف بـ “الربيع العربي”، في حين يختلفون في توصيف من رفع الشعارات المذكورة.

وزاد التعديل بصورة واضحة حصة “الامني” على “السياسي” في تقليل حصة ابناء السلط لصالح ابناء الكرك، الامر الذي يرفض سياسيون ودبلوماسيون تسييسه ويؤكدون ان حساباته لم تتجاوز في “ذهنية الدولة” اكثر من احتواء الحراك الاعلى سقفا والاكثر اثارة للشغب.

دبلوماسية أردنية ذكية كانت قد تحدثت منذ اكثر من اسبوعين لـ “رأي اليوم” عن سعي لدى الدولة لتحجيم محافظة البلقاء، وذلك من خلال قراءتها للقاء ملك الاردن عبد الله الثاني بنخب السلط في دارة الجنرال الاستخباري نذير رشيد، حيث قرأت غياب نخب من وزن رئيسي الوزراء السابقين (الدكتور معروف البخيت والدكتور عبد الله النسور) بالاضافة لغياب ممثلين عن المحافظة ككل باعتباره اشارة لتحجيم الدور السياسي للمدينة، وهنا حذرت بوضوح من ان ذلك لن يصب الى المزيد من الزيت على نار الحراك فيها.

وبينما يتحدث خبير أمني وعسكري من وزن وزير الداخلية الاسبق الجنرال حسين المجالي في حديثه لـ “رأي اليوم” ان الشعارات المجرّحة بـ”النظام” والمسيئة لتماسك الدولة يحملها اشخاص لا يعبرون عن وجهة نظر الشارع، ملمحاً الى ان هناك من “يتسلل” للحراك السلمي الحقيقي الرافض لرفع الاسعار والتضييق الاقتصادي، وهذا وحده يثير القلق؛ يعيد خبير سياسي واستراتيجي من وزن وزير البلاط الاسبق الدكتور مروان المعشر أن الشارع بحاجة لمقاربة مختلفة بالتعامل معه غير تلك الامنية، وهي مقاربة تحمل رؤيا شاملة لكل المنظومات سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وتقوم بالاساس على قاعدة “المواطنة الصالحة”.

 “رفض مجتمعي” يراه المجالي واجب على الجميع تجاه من اسماهم المتسللين والمخربين، مضيفا بوجوب ان لا تقوم حتى العشائر بحماية هؤلاء او محاولة الدفاع عنهم (احد ابرز المعتقلين في الحراك الاخير هو من ذات عشيرة المجالي)، خصوصا مع شعوره بأن اطرافاً خارجية قد تكون ذات تأثير على الحراك الاردني الحالي، بالتزامن مع ازدياد منسوب التنافر بين السياسة الاردنية الخارجية ومحيطها. ترافق ذلك مع مقاربتين امنبة وسياسية ذكيتين تخدمان الاطار العام لمؤسسات الدولة “واجب حقيقي” يرى فيه المجالي ضرورة قصوى.

بصورة غير مباشرة، اقرّ المجالي -الذي كانت النخب قد تداولت اسمه كثيرا في الاونة الاخيرة باعتباره الرجل الانسب لادارة الملف الامني في هذه المرحلة باعتباره كان “رأس الحربة” في إدارة ذات الملف في مرحلة الربيع العربي-، بأن “الادوات” التي تستخدمها مؤسسات الدولة قد تسبب بعضها بإعطاء صور غير مرغوبة عن ذات المؤسسات وهو ما يسهم في رفع السقف في هذه المرحلة، الامر الذي يقوله بوضوح وبصراحة المعشر على هامش “حوار موسّع” مع “رأي اليوم” ويعتبر ان تخطيه بحاجة لارادة سياسية واستثمار في نخب مختلفة (لا مرعوبة ولا رجعية) ومقاربة سياسية اقتصادية متكاملة.

ورغم ان المجالي ذاته نفى قطعاً لـ “رأي اليوم” اي محاولات او مشاورات بينه وبين الدولة بخصوص عودته للمشهد السياسي مؤخرا، كما انه لم يكن جزءا من التعديل الذي تبينت ملامحه عمليا مساء السبت، الا ان تداول اسمه مع حزمة من الاسماء الاخرى كان مثار جدل اصلا بالتزامن مع الحراك حيث الشارع يطالب الحكومة في الخروج من الصندوق وعدم اعادة انتاج النخب ذاتها. وهو ما يتجدد اليوم مع تبديل حقائب بعض الوزراء وأكثر مع اعادة انتاج دور مدير مكتب الملك الدكتور جعفر حسان، والذي تداول السياسيون اسمه باعتباره “موفد القصر للحكومة”.

الدكتور حسان مؤخرا كان قد ثار حول اسمه شخصيا الكثير من الجدل باعتباره يتدخل بعمل الحكومة من مكتبه في مؤسسة القصر، الامر الذي قد يتجنبه اليوم الرجل بوجوده المباشر كقائد للفريق الاقتصادي، رغم ان هذا وحده قد يؤدي الى صراع قوى لاحق بينه وبين الدكتور عماد فاخوري وزير التخطيط والتعاون الدولي والذي خلفه حسان اصلا في مكتب الملك.

في الاثناء، لا يبدو عمليا ان اي اجراءات اليوم متعلقة بتبديل النخب قادرة على احتواء الازمة بصورة جذرية وتقليل احتقان الشارع في مرحلة صعبة كالتي تمر بها البلاد، حيث الاقتصاديون والتجار يتذمرون وبصوت عالٍ من حالة ركود اقتصادي غير مسبوقة في المملكة، الامر الذي لا يبدو ان صناعة القرار قد التقطته جيدا وهي تعيد انتاج المشهد الحكومي الحالي.

بكل الاحوال، استمرار المحاصصة وما يصرّ على تسميته الكاتب الاذع احمد حسن الزعبي بـ “اعادة تدوير النخب” لا يبدو انه سيخدم السعي لاحتواء الشارع ولا حتى تأمينه اجتماعيا وامنيا وتوحيده في مواجهة الاشكالات بل على العكس، فالكثير من الخبراء والمسيسين الذين طلبوا عدم ذكر اسمائهم يؤكدون ان الشارع يبعث باشارات سلبية يجب على “رادارات الدولة” التقاطها بصورة أذكى والتعامل معها برؤيا واضحة وذكية.

التعليقات مغلقة.