بي بي سي»: حقيقة الأمر صادمة.. هل الفطور أهم وجبةٍ في اليوم؟

167

ساد الاعتقاد بأنَّ الفطور هو أهم وجبةٍ في اليوم بين الأجيال المتعاقبة. ومثل سائر الاعتقادات المتداولة منذ قديم الأزل، يأتي يومٌ تتحطم فيه تلك الاعتقادات على صخرة الأبحاث العلمية. نشر موقع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» تقريرًا ينظر إلى المسألة بتدقيقٍ أكبر. وفي السطور التالية، تسرد جيسيكا براون تاريخًا من الأبحاث والدراسات والمراجعات التي حاولت الإجابة عن هذا السؤال.

 

تبدأ جيسيكا تقريرها بالإشارة إلى الأمثال الكلاسيكية على غرار «الجزر يُقوِّي النظر» و«بابا نويل لا يُقدِّم الهدايا للأطفال الأشقياء»، والتي تُشبه في منظورها المثل القائل بأنَّ الفطور هو أهم وجبةٍ في اليوم، إذ يُعَدُّ من بين أكثر الأمثال استخدامًا ضمن ترسانة الآباء المنهكين في كل مكان. ولهذا كَبُر الكثيرُ منا مُعتقدين أنَّ تخطِّي وجبة الفطور هو أكذوبةٌ غذائية، رغم أنَّ ثلثي البالغين في المملكة المتحدة فقط يتناولون الفطور بانتظام وفقًا للجمعية البريطانية للتغذية، ونحو ثلاثة أرباع الأمريكيين.

 

الفكرة من افتراض أهمية الفطور تكمُن في اسمه باللغة الإنجليزية «Breakfast»: أي تناول الطعام بغية كسر صيامنا الليلي.

 

وتوضح سارة إلدر، أخصائية التغذية: «يستهلك الجسد كثيرًا من مخازن الطاقة من أجل النمو والإصلاح خلال فترة الليل. وتناول فطورٍ متوازنٍ يُساعد على شحن طاقتنا، فضلًا عن البروتين والكالسيوم الذي نستهلكه طوال الليل».

 

لكنَّ التقرير أتى على ذكر الخلاف المُنتشر بشأن احتفاظ وجبة الفطور بمركزها الأول على قمة التسلسل الهرمي للوجبات. وعلاوةً على الشعبية المتزايدة للحميات الغذائية المعتمدة على الصيام، تزايدت المخاوف بشأن محتوى السكر في حبوب الفطور، وتورُّط صناعة الأغذية في الأبحاث المُؤيدة لأهمية وجبة الإفطار، فضلًا عن زعم أحد الأكاديميين أنَّها وجبةٌ «خَطِرة».

 

أين الحقيقة إذًا؟ هل تُعَدُّ وجبة الفطور بدايةً ضروريةً لليوم؟ أم مجرد حيلةٍ تسويقيةٍ من شركات حبوب الفطور؟

 

قرارٌ «ثقيل»

توضح جيسيكا أنَّ علاقة الفطور بالسمنة تأتي على رأس أكثر الجوانب التي تتطرق لها أبحاث الفطور (وتخطِّي وجبة الإفطار). وتبنَّى العلماء نظرياتٍ مختلفةً بشأن سبب وجود علاقةٍ بينهما.

 

في إحدى الدراسات الأمريكية التي حلَّلت البيانات الصحية لخمسين ألف شخصٍ على مدار سبع سنوات؛ وجد الباحثون أنَّ الأشخاص الذين يجعلون الفطور أكبر وجبةٍ في اليوم هم أكثر قابليةً للتمتع بمؤشر كتلة جسم منخفض مقارنةً بأولئك الذين يتناولون وجبة غداء أو عشاء كبيرة. وجادل الباحثون بأنَّ الفطور يُساعد على زيادة الشبع وتقليل تناول السعرات الحرارية اليومية، وتحسين جودة حميتنا الغذائية، نظرًا لأنَّ أغذية الفطور تحتوي على نسبةٍ عاليةٍ من الألياف والمواد الغذائية، فضلًا عن تحسين الحساسية تجاه الإنسولين في الوجبات التالية، والتي يمكن أن تُشكِّل خطرًا على المصابين بمرض السكري.

 

لكن مثل أي دراسةٍ من هذا النوع، لم تُبيِّن الدراسة ما إذا كان الفطور هو السبب، أم أنَّ الأشخاص الذين يتخطون وجبة الإفطار لديهم استعداد فطري لزيادة الوزن من البداية.

ترى أليكساندرا جونستون، أستاذة أبحاث الشهية في جامعة أبردين، أنَّ الأمر قد يُعزى ببساطةٍ إلى قلة معرفة من لا يتناولون وجبة الفطور بالعادات الغذائية والصحية السليمة.

 

وتقول: «توجد الكثير من الدراسات التي تبحث في العلاقة بين تناول الفطور والنتائج الصحية المحتملة، لكنَّ ذلك قد يُعزى إلى اختيار من يتناولون الفطور الحفاظ على سلوكياتٍ تُحسِّن صحتهم مثل عدم التدخين وممارسة الرياضة باستمرار».

 

ويُتابع التقرير بالإشارة إلى إحدى المراجعات التي أُجريت عام 2016 وبحثت في الدراسات التي أُجريت على العلاقة بين الفطور وإدارة الوزن، فتوصَّلت إلى «أدلةٍ محدودةٍ» تدعم أو تدحض الحجة القائلة بأنَّ الإفطار يُؤثر على الوزن أو امتصاص الطعام، وأكَّدت على الحاجة إلى مزيدٍ من الأدلة قبل استخدام توصيات الفطور في المساعدة على منع السمنة.

 

وليمة أم صيام؟

 

وتصل جيسيكا في تقريرها إلى مسألة انتشار الصيام المتقطع الذي ينطوي على الصيام طوال الليل وحتى الصباح التالي بين أولئك الباحثين عن فقدان الوزن أو الحفاظ على وزنهم الحالي أو تحسين صحتهم.

 

وجدت دراسةٌ تجريبيةٌ نُشِرَت عام 2018 مثلًا أنَّ الصيام المتقطع يُحسِّن السيطرة على مستوى السكر في الدم والحساسية تجاه الإنسولين ويُخفِّض ضغط الدم. إذ حصل ثمانية رجالٍ يُعانون من مقدمات السكري على جدولٍ من أصل جدولين لتناول الطعام: أحدهما يقضي بتناول جميع السعرات الحرارية بين الساعة التاسعة صباحًا والساعة الثالثة ظهرًا، والثاني يقضي بتناول نفس الكم من السعرات الحرارية على مدار 12 ساعة. وجاءت نتائج المجموعة التي تناولت الطعام من التاسعة صباحًا وحتى الثالثة ظهرًا متوافقةً مع الأدوية التي تخفض ضغط الدم، وفقًا لكورتني بيترسون، صاحبة الدراسة والأستاذة المساعدة في علوم التغذية بجامعة ألاباما في برمنجهام.

 

لكنَّ جيسيكا ترى أن صغر حجم الدراسة يعني أنَّنا بحاجةٍ إلى المزيد من الأبحاث بشأن فوائدها على المدى البعيد.

 

وإذا كان تخطِّي الفطور (وغيره من الوجبات) خطوةً يُحتمل أن تكون مفيدةً لك، هل يعني ذلك أنَّ الإفطار سيكون سيئًا بالنسبة لك؟ هذه هي وجهة نظر أحد الأكاديميين، الذي يرى أنَّ الفطور «خَطِر». فهو يرى أنَّ تناول الطعام في وقتٍ مبكرٍ من اليوم يرفع معدلات الكورتيزول في الدم أكثر من أي وقتٍ لاحق. مما يدفع الجسم ليكون أكثر مقاومةً للإنسولين مع مرور الوقت، وقد يُؤدي إلى الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني.

 

لكنَّ فريدريك كاربي، أستاذ طب الأيض في مركز أكسفورد للسكري والغدد الصماء والأيض، يرى أنَّ هذا ليس حقيقيًا. وعوضًا عن ذلك، تُعتبر مستويات الكورتيزول العالية في الصباح جزءًا من إيقاع الجسد الطبيعي.

 

وأضاف كاربي أنَّه فضلًا عن ذلك، يُعتبر الفطور أساسيًا لإطلاق عملية الأيض الخاصة بنا. وتابع: «من أجل أن تستجيب الأنسجة الأخرى لامتصاص الطعام استجابةً جيدة، فأنت بحاجةٍ إلى مُشغِّلٍ أوليٍّ يحتوي على الكربوهيدرات التي تستجيب للأنسولين. ويُؤدي الفطور دورًا محوريًا في حدوث ذلك».

 

ويُورد التقرير دراسةً عشوائيةً نُشرت العام الماضي وتضمنت 18 شخصًا يُعانون من السكري و18 آخرين أصحاء، ووجدت أنَّ تخطَّي الفطور عَطَّل الكثير من النظم اليوماوية في المجموعتين، وأدَّى إلى ارتفاع مستويات الجلوكوز في الدم بعد تناول الطعام. واستنتجت الدراسة أنَّ تناول الفطور مهمٌ للحفاظ على دقة ساعتنا البيولوجية.

 

وتقول كورتني إنَّ أولئك الذين يتخطَّون الفطور ينقسمون إلى قسمين: الذين يتخطَّون الفطور ويتناولون العشاء في وقته الطبيعي، وبهذا يحصدون فوائد الصيام المتقطع، والذين يتخطَّون الفطور ويتناولون العشاء في وقتٍ متأخر.

 

وقالت: «بالنسبة للذين يتناولون طعام العشاء في وقتٍ متأخر، تتزايد فرص إصابتهم بالسمنة وداء السكري والأمراض القلبية الوعائية بنسبةٍ كبيرة. في حين تبدو وجبة الفطور أهم وجبةٍ في اليوم، ربما تكون وجبة العشاء أهم منها في الواقع. إذ يكون تنظيم السكر في الدم في أفضل حالاته خلال ساعات الصباح الأولى. وحين نتناول طعام العشاء في وقتٍ متأخر، نكون أكثر عرضةً للإصابة بالأمراض، لأنَّ السكر في الدم يكون في أسوأ حالاته. ما تزال هناك مساحةٌ للمزيد من الأبحاث، لكني واثقةٌ أنَّك لا يجب أن تتخطَّى الفطور أو تتناول العشاء في وقتٍ متأخر».

 

وتابعت أنَّنا يجب أن ننظر إلى نظمنا اليوماوية وكأنَّها فرقةٌ موسيقية: «هناك نوعان من الساعات اليوماوية. الساعة الرئيسية في المخ، التي يجب أن ننظر إليها باعتبارها قائد الفرقة الموسيقية. والنصف الآخر يقع داخل كل عضوٍ من أعضاء الجسم، إذ يمتلك كلٌ منها ساعةً منفصلة».

 

وتتأثر هذه الفرقة الموسيقية بعاملين خارجيين: التعرُّض للضوء الساطع وجدول تناول الطعام.

 

وتضيف: «إذا كنت تتناول الطعام ولا تتعرض لضوءٍ ساطعٍ بما فيه الكفاية، تُصبح الساعات المسؤولة عن التحكُّم في الأيض في مناطقَ زمنيةٍ مختلفة، مما يُرسل إشاراتٍ متضاربةٍ فيما يتعلَّق بزيادة النشاط أو خفضه».

 

والأمر أشبه بفرقةٍ موسيقيةٍ تنقسم إلى قسمين يعزفان أغنيتين مختلفتين، ولهذا السبب يُؤثر تناول الطعام في وقتٍ متأخر على مستويات السكر في الدم وضغط الدم، حسبما أوضحت كورتني.

 

ويسلط التقرير الضوء على جهود الباحثين في جامعتي سري وأبردين الذين قطعوا نصف الطريق في الأبحاث التي تدرس الآليات المسؤولة عن كيفية تأثير وقت تناول الطعام على وزن الجسم. وتقترح النتائج الأولية أنَّ تناول فطورٍ أكبر هو أكثر فائدةً فيما يتعلَّق بالتحكم في الوزن.

 

الطعام الصحي

 

وتوصَّلت الدراسات حسب التقرير إلى أنَّ الفطور يُؤثر على أكثر من مجرد الوزن. ويُربط بين تخطِّي الفطور وزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 27%، وزيادة مخاطر الإصابة بالسكَّري من النوع الثاني بنسبة 21% لدى الرجال وبنسبة 20% لدى النساء.

 

وربما تعود إحدى الأسباب إلى القيمة الغذائية لوجبة الفطور، لأنَّ حبوب الفطور مُليئة بالفيتامينات. ووجدت دراسةٌ أُجريت على 1,600 شابٍ بريطانيٍ لبحث عادات الفطور أنَّ الألياف والعناصر الغذائية الدقيقة، مثل حمض الفوليك وفيتامين سي والحديد والكالسيوم، تُمتَص امتصاصًا أفضل لدى الأشخاص الذين يتناولون الفطور بانتظام. وتوصَّلت دراساتٌ أستراليةٌ وبرازيليةٌ وكنديةٌ وأمريكيةٌ إلى نتائجَ مُشابهة.

 

ويربط التقرير أيضًا بين الفطور وتحسُّن وظائف المخ، مثل التركيز واللغة. ووجدت مراجعةٌ أُجريت على 54 دراسةً أنَّ تناول الفطور يُحسِّن الذاكرة، رغم عدم إثبات تأثيره على وظائف المخ الأخرى. لكنَّ ماري بيث سبيتزناجل، إحدى الباحثات في المراجعة، تقول إنَّ هناك دليلًا «معقولًا» على تحسين الإفطار للتركيز، رغم أنَّه بحاجةٍ لمزيدٍ من الأبحاث.

 

وأوضحت: «بالنظر إلى الدراسات التي أُجريت على التركيز، تتساوى أعداد الدراسات التي عثرت على فوائد للفطور مع الدراسات التي لم تعثر على فوائد له. ولم تعثر أي دراسةٍ على ما يُفيد بأنَّ تناول الفطور مُضرٌ بالتركيز».

 

لكن البعض يرى أنَّ الأهم هو ما نتناوله في الفطور.

 

إذ أثبتت الدراسات فاعلية تناول الفطور الذي يتمتع بنسبةٍ عاليةٍ من البروتينات في تقليل اشتهاء الطعام واستهلاكه في وقتٍ لاحقٍ من اليوم، وفقًا للبحث الذي أجرته هيئة البحوث الأسترالية.

ويذكر التقرير أنَّه في الوقت الذي تُحافظ فيه حبوب الفطور على أفضليتها بين مستهلكي الفطور في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وجد تحقيقٌ أُجري مؤخرًا بشأن محتوى السكر في حبوب الفطور «للبالغين» أنَّ بعض حبوب الفطور تحتوي على أكثر من ثلاثة أرباع الكمية المُوصى بها يوميًا من السكريات الحرة في كل وجبة، وأنَّ السكر كان ثاني أو ثالث أكبر مُكوِّنٍ في مقادير سبعةٍ من أصل عشرة أنواعٍ من حبوب الفطور.

 

لكنَّ بعض الأبحاث ترى أنَّه إذا كنا سنتناول الأطعمة التي تحتوي على السكر، فمن الأفضل أن نفعل ذلك في وقتٍ مبكرٍ من اليوم. وتوصَّلت دراسةٌ أخرى إلى أن تغيُّر مستويات اللبتين (هرمون الشهية) داخل الجسم طوال اليوم يتوافق مع تناولنا لأقل كميةٍ من الطعام الحلو في الصباح، في حين وجد علماء في جامعة تل أبيب أنَّ الشعور بالجوع يُمكن تنظيمه في أفضل صورةٍ خلال الصباح. اختار الباحثون مائتي بالغٍ يُعاني من السمنة للمشاركة في حميةٍ غذائيةٍ تستمر لـ16 أسبوعًا، نصفهم أضافوا الحلوى إلى فطورهم، والنصف الآخر لم يفعل. وفقد الأشخاص الذين أضافوا الحلوى إلى فطورهم 18 كيلو جرامًا أكثر من غيرهم، لكنَّ الدراسة لم تتمكن من دراسة الآثار بعيدة المدى.

 

ووجدت مراجعةٌ أُجريت على 54 دراسةً أنَّه لا توافق حتى الآن على نوع الفطور الأكثر صحيةً، وتوصلَّت إلى أنَّ نوع الفطور لا يُهم بقدر أهمية تناول الفطور في حد ذاته.

 

الملخص

 

ترى جيسيكا أنَّه مع عدم وجودٍ دليلٍ دامغٍ على نوع الطعام الذي يجب أن نتناوله ووقت تناوله، يُوجد إجماعٌ على وجوب الاستماع إلى أجسادنا وتناول الطعام حين نشعر بالجوع.

 

وتقول أليكساندرا: «الفطور هو أهم وجبةٍ للأشخاص الذين يشعرون بالجوع حين يستيقظون من النوم».

 

وعلى سبيل المثال: تُظهِر الأبحاث أنَّ أولئك الذين يُعانون من مقدمات السكري أو داء السكري سيجدون أنَّهم تمتَّعوا بحالة تركيزٍ أفضل بعد تناول فطور ذي مؤشرٍ جلايسيميٍ منخفض مثل العصيدة، التي تتحلل ببطءٍ لترفع مستويات السكر في الدم تدريجيًا.

 

وتقول ماري إنَّ كل شخصٍ يبدأ يومه بطريقةٍ مختلفة، وتلك الاختلافات الفردية، وخاصةً في وظيفة الجلوكوز، تتطلَّب بحثًا مُكثَّفًا.

 

وفي النهاية، يرى التقرير أنَّ الحل ربما يكمن في عدم التركيز على وجبةٍ واحدةٍ بإفراط، بل النظر إلى كيفية تناولنا الطعام على مدار اليوم.

 

إذ تقول سارة: «الفطور المتوازن مفيدٌ للغاية، لكنَّ تناول وجباتٍ منتظمةٍ على مدار اليوم هو أمرٌ أكثر أهميةً للحفاظ على استقرار السكر في الدم طوال اليوم، مما يُساعد على التحكُّم في الوزن ومستويات الجوع. ليس الفطور هو الوجبة الوحيدة التي يجب أن نتناولها باهتمام».