القروض الصغيرة الطريق الى افقار الاردنيين !

42

كتب : محمد عمر – كل بضعة ايام تطالعنا صحف محلية بتبليغات قضائية لمواطنين مقترضين، وجميعهم من صغار المقترضين، وعدد كبير منهم نساء

احدى الصحف المحلية خرجت امس بثمان صفحات كاملات اعلانات تبليغات..

مئات المواطنيين اصبحوا مهددين اما بالسجن، او ببيع القليل مما يمتلكون، وربما قد نشهد عمليات بيع اعضاء في الجسد، كما يحصل في دول مثل مصر وبنغلادش لسداد هذه الديون.

بعض الاراء الشائعة التي لا تخلو من السذاجة تحمل المواطن المسؤولية، خاصة السيدات، اذ يقال انهن يقترضن لازواجهن، مجبرات، تحت ستار تمويل عمل صغير.

هذا مثلا كان راي عبرت عنه ناشاطات نسويات للاسف، ومنهم عاملات في صندوق اقراض المرأة..

الواقع يقول غير ذلك..

شهد العالم ارتفاعا في معدلات الفقر في العالم بعد هجمة النيوليبرالية 1985 – 1995، وبسبب الاثر الانتشاري لسياسات الخصخصة وتخلي الدولة عن دورها وتقليص واحيانا انهاء خدمات عامة ،وكل براديم التنمية المتبع، تقلصت الطبقات الوسطى، وتركزت الثروة في ايدي قلة قليلة من الناس.

وعوضا عن مواجهة الفقر هيكليا واعادة النظر في النهج الاقتصادي المتبع، عمد البنك الدولي، ضمن سياسة عولمة النيوليبرالية، الى سياسة الاقراض.

واليوم، مع تراكم رؤوس اموال ضخمة لدى البنوك، اصبح التمويل الصغير والمتوسط صناعة كاملة، يبلغ حجمها 90 مليار دولار، و 200 مليون مقترض في العالم من الفقراء، وتدر ارباحا على المقرضين بحوالي 20 مليار دولار سنويا.

عقد البنك الدولي اول قمة للاقراض الصغير عام 1997 في واشنطن، ومنها بدأت عملية عولمة هذه السياسة. لكن البنك لن يكتفي بذلك، بل ربط تمويل هذه القروض بخصخصة مؤسسات التمويل المحلية.

هكذا تولت منظمات دولية، ومنظمات مجتمع محلي، وبنوك وشركات تمويل محلية عمليات اقراض موسعة للفقراء خاصة في الارياف والبوادي والمناطق الطرفية والمهمشة.

عملية الاقراض هذه لم تكن مجرد كميات صغيرة من المال تعطى لهذه السيدة او تلك، بل مؤسسة كاملة من الحسابات المعقدة، والشروط والاجراءات والموظفين البيروقراطية الذين يحظون برواتب ضخمة احيانا كثيرة تزيد على حجم الاموال المخصصة للاقراض، وهؤلاء هم المستفيدين فعليا من كل سياسة الاقراض. اضافة الى الفساد والمحسوبية والواسطة في مؤسسات التمويل غير الحكومية.

وغالبا كان هؤلاء الموظفين من التكنوقراط، غرباء عن المجتمع الذي يعملون ضمنه، ويجهلون عادات وتقاليد الناس الذين يعملون معهم خاصة في نمط انتاجهم، ما ادى الى فشل غالبية المشاريع الممولة.

عندنا حرت الامور على هذا النحو، الاعتماد على القروض الصغيرة، خصخصة مؤسسات التمويل، تدخل كبير لمنظمات مجتمع مدني ممولة من الخارج، بيروقراطية كبيرة ونافذة في هذه المؤسسات وتحصل على رواتب عالية، وشروط وإجراءات مجحفة واحيانا غير مفهومة للمقترض او لا يتم شرحها وتوضيحها..

واليوم نرى ووفقا لارقام الحكومة والبنك الدولي نفسه ان نسبة الفقر في الاردن ارتفعت. وقبل ايام اصدر البنك ارقاما تشير الى ان حوالي 70% من الاردنيين يقل دخلهم عن 6 دولارات في اليوم. والحكومة تتلكأ في اصدار الدراسة الجديدة عن الفقر، لكن التسريبات تؤكد ارتفاع النسبة بشكل واضح.

كل ما فعلته سياسة التمويل هذه، ادت الى دمج الارياف والمناطق التي كان لها نمط انتاج ذاتي في السوق وتشويه الاقتصاد اكثر، وزيادة الهجرة من الريف الى المدينة، وزيادة عدد العاطلين عن العمل، والتمسك بالتوظيف في القطاع العام، وسمحت لمؤسسات الاقراض تحقيق ارباح عالية واحيانا مصادرة املاك المقترضين، مزيد نن التراكم ومزيد من الفقر، رواتب عالية وغير مبررة للبروقراطين القائمين على هذه المشاريع.

اليوم يدفع اكثر من نصف الاردنيين حوالي 68% من دخلهم لسداد القروض، ومئات الغارمات في السجون بعيدا عن حريتهن و اهاليهن بسبب مبالغ بسيطة قد لا تتجاوز غالبا 200 دينار، وتتحمل الحكومة ودافع الضرائب نفقات كل هؤلاء المسجونين، 24 دينار يوميا لكل سجين، حسب الامن العام، لتحمي مصالح شركات ومؤسسات التمويل.

واسخف نتيجة لكل هذه السياسة، هذا النهج الدولي والمحلي ان نسمع من يقول لنا ان النساء يجبرن على الاقتراض…