الرجال يبكون: تجربة رجل مع الاكتئاب

51

إنه أحد أكثر الأمراض فتكًا على سطح الكوكب، وما زال يغلفه غالبًا نوعٌ من الخزي. ويُعد الانتحار الناتج عن الاكتئاب سبب الوفاة الأول للرجال تحت سن الخامسة والثلاثين. الروائي “مات هيج” يحكي تجربته الخاصة مع الأفكار الانتحارية وطريقه الطويل نحو التعافي.

يمكنني تذكُّر اليوم الذي ماتت فيه نَفسي القديمة، بدأ الأمر بفكرةٍ، كان هناك شيئًا خاطئًا. كانت هذه البداية، قبل أن أدرك ما كانت. ثم بعد ثانيةٍ تقريبًا، كان هناك إحساس غريب داخل رأسي، نشاطٌ بيولوجي ما في مؤخرة جمجمتي، فوق رقبتي بقليل؛ المُخَيْخ. هناك نبض أو خفق حاد، كأن فراشة محاصرة بداخلي، وإحساس بوخزٍ. لم أكن أعرف بعد الآثار الجسدية الغريبة التي يمكن أن يسببها الاكتئاب والقلق، اعتقدتُ فقط أنني على وشك الموت، ثم بدأ قلبي في التوقف، ثم بدأتُ أنا في التلاشي. غرقتُ، بسرعةٍ سقطتُ في واقعٍ خانقٍ جديد، وسيمر أكثر من عامٍ قبل أن أستطيع أن أشعر بأني شبه طبيعي مجددًا.

لم يكن لدي، حتى تلك المرحلة، أي فهمٍ أو وعيٍ حقيقيٍ بالاكتئاب، سوى معرفتي بأن أمي كانت قد عانت منه لفترةٍ قصيرةٍ بعد ولادتي، وأن جدة جدتي لأبي انتهى بها الأمر بالانتحار. إذًا أعتقد أنه كان هناك تاريخ مرضي بالعائلة، ولكنه تاريخ لم أكن قد فكرت فيه كثيرًا.

على أي حال، كنت في الرابعة والعشرين من عمري، كنت أعيش في إسبانيا؛ في أحد أهدأ وأجمل جوانب جزيرة إيبيزا. كنا في شهر سبتمبر، وكان عليَّ أن أعود إلى لندن، وإلى الواقع، خلال أسبوعين. بعد ستة أعوام من حياة الطلاب والوظائف الصيفية، كنتُ قد أجلت مرحلة النضج لأطول فترةٍ ممكنة، وكانت تلوح أمامي مثل سحابة؛ سحابة بدأت تُمطِر فوقي.

أغرب شيء فيما يخص العقل أنه قد تدور بداخله أكثر الأشياء حدةً ولكن لا يستطيع أحدٌ غيرك أن يراها، لن يبالي بك العالم، قد تتسع عيناك، ربما تبدو غير متماسك، وقد تتصبب عرقًا. وكان من المستحيل لأي شخص يراني في ذلك المنزل أن يعرف بِمَ كنتُ أشعر، كان من المستحيل أن يقدر الجحيم الغريب الذي كنت أعيش فيه، أو أن يفهم لِمَ بدا الموتَ فكرةً جيدةً بصورةٍ هائلة. رقدتُ على السرير لثلاثة أيام، ولكنني لم أنَم، وكانت صديقتي “آندريا” تجلب لي المياه على فتراتٍ منتظمة، أو بعض الفاكهة، التي استطعتُ بالكاد تناولها.

كانت النافذة مفتوحة لتدع الهواء النقي يدخل إلى الغرفة، ولكنها كانت جامدة وحارة، أتذكر أنني كنت مذهولًا لكوني ما زلتُ على قيد الحياة، أعرف أن ذلك يبدو ميلودراميًّا، ولكن الاكتئاب والهلع لا يمنحانك سوى أفكار ميلودرامية لتتسلى بها. على أي حال، لم تكن هناك راحة، أردتُ أن أكون ميتًا، لا ليس ذلك صحيحًا تمامًا، لم أرد أن أكون ميتًا، ولكنني فقط لم أرد أن أكون حيًّا. كان الموت يخيفني، والموت يحدث فقط لمن كان حيًّا، كان هناك عدد لا نهائي من الناس الذين لم يعيشوا قط، أردتُ أن أكون واحدًا من هؤلاء؛ تلك الأمنية الكلاسيكية القديمة، ألا أكون قد وُلِدت أبدًا، ألا أكون واحدًا من الثلاثمائة مليون حيوانًا منويًّا الذين لم يتموا مهمتهم.

لم تكُن في رأسي كلمات مثل “اكتئاب” أو “اضطراب الهلع”، فلم أعتقد لسذاجتي المثيرة للضحك أن ما كنتُ أمر به هو أمرٌ شعر به أشخاصٌ آخرون مطلقًا، لأنني كنتُ غريبًا للغاية عن نفسي فاعتقدتُ أنني كنتُ غريبًا عن البشرية بأكملها.

في اليوم الثالث تركتُ الغرفة، وتركتُ المنزل، وخرجتُ لكي أقتل نفسي. كانت الشمس حاميةً، وكان الهواء يحمل رائحة الصنوبر والبحر، كان البحر أمامي مباشرةً، أسفل المنحدر. كانت حافة المنحدر على بعد خطواتٍ فقط، أعتقد أنها أقل من 20 خطوة. كانت خطتي أن أخطو 21 خطوة في ذلك الاتجاه.

‹‹أريد أن أموت››

كان المنزل ورائي؛ أفضل مكان أقمتُ فيه على الإطلاق، وأمامي كانت أروع إطلالة رأيتها على الإطلاق. البحر الأبيض المتوسط المتلألئ، كأنه غطاء مائدة فيروزي تتناثر فوقه قطع ألماس صغيرة، يحفه خط ساحلي مثير من المنحدرات الجيرية والشواطئ المحرمة الصغيرة التي يقترب لونها من الأبيض. كان ينطبق عليه كل تعريفات الجمال، ومع ذلك لم تستطع أكثر إطلالة جمالًا في العالم أن تمنعني من الرغبة في قتل نفسي.

قبل ذلك الوقت بما يزيد عن عامٍ كنتُ قد قرأت الكثير من كتب ميشيل فوكو من أجل درجة الماجستير، وقرأتُ الكثير من كتاب الجنون والحضارة، وفكرته أنه ينبغي السماح للجنون بأن يكون جنونًا، وأن المجتمع الخائف القمعي يلقِّب كل المختلفين بالمرضى. ولكن ذلك كان مرضًا، لم يكن امتلاك فكرةٍ مجنونةٍ، لم يكن التصرف بلا عقلانية قليلًا، لم يكن مثل قراءة بورخيس، أو الاستماع إلى كابتن بيفهارت، أو تدخين غليون، أو هلوسة وتصور حانة عملاقة بالمريخ. كان ذلك ألمًا، كنتُ في حالٍ جيد والآن فجأةً لم أعُد كذلك، لم أكُن في حالٍ جيد، إذُا كنتُ مريضًا، ولم يهمني إذا ما كان هذا الأمر خطأ المجتمع أو العلم، ببساطة لم أعد أستطيع تحمل ذلك الشعور لثانيةٍ أخرى، كان عليَّ أن أنهي حياتي.

كنتُ سأفعل ذلك، بينما كانت صديقتي في المنزل غافلة، تعتقد أنني خرجتُ لتنشق بعض الهواء، سرتُ وعددتُ خطواتي، ثم نسيتُ العدد، وتاه عقلي. قلتُ لنفسي: ‹‹لا تجبن››. كنتُ قد وصلت إلى حافة المنحدر، كان يمكنني التوقف عن ذلك الشعور ببساطة بأن أخطو خطوة أخرى، كان الأمر سهلًا للغاية – خطوة واحدة- في مقابل ألم الحياة.

ولكن الأمر لم يكن سهلًا، فالأمر الغريب في الاكتئاب أنك على الرغم من أنك قد تكون لديك المزيد من الأفكار الانتحارية، إلا أن الخوف من الموت يظل كما هو. الفرق الوحيد أن ألم الحياة كان قد تزايد بسرعةٍ، لذا عندما تسمع عن شخصٍ قتل نفسه، من الهام أن تعرف أنه لم يكن أقل خوفًا من الموت، لم يكن الأمر ‹‹اختيارًا›› من الجانب الأخلاقي. فإن تناولتَ الموضوع من الناحية الأخلاقية أسأت فهمه. وقفتُ هناك لفترةٍ، أستجمع شجاعتي لأموت، ثم أستجمع شجاعتي لأموت، أكون، أو لا أكون. في تلك اللحظة، كان الموت وشيكًا للغاية. ربما كنت لأتخذ تلك الخطوة في كونٍ آخر، ولكن ليس في هذا الكون.

كان لدي أم وأب وأخت وصديقة، هؤلاء أربعة أشخاص أحبوني، تمنيتُ في تلك اللحظة بشدة ألا يكون لي أحد على الإطلاق، لا أحد، كان الحب يقيدني هنا، وهم لم يعرفوا كيف كان الأمر، لم يعرفوا كيف كان الوضع في رأسي. ربما إذا دخلوا إلى رأسي لعشر دقائق كانوا سيقولون: ‹‹حسنًا، أجل، في الحقيقة عليك أن تقفز، ليس هناك ما يحتم عليك الشعور بهذا القدر من الألم، اجري واقفز وأغلق عينيك وافعلها. نعني أنك إذا كنت تحترق كان يمكننا وضع بطانية حولك لنطفئ النيران، ولكن اللهب الآن خفي، ليس هناك ما يكننا فعله، لذا اقفز، أو اعطنا مسدسًا لنطلق عليك النار، نقتلك قتلًا رحيمًا››. ولكن ليس هكذا تسير الأمور، إذا كنت تعاني من الاكتئاب فألمك خفي، كما أنني بصراحة كنت خائفًا، ماذا إذا لم أمُت؟ ماذا إذا أصبت بالشلل فقط وظللت محاصرًا بدون حركةٍ في تلك الحالة للأبد؟ أعتقد أن الحياة دائمًا ما تقدم أسبابًا لعدم الموت، إذا استمعنا جيدًا. يمكن أن تنبع تلك الأسباب من الماضي – ربما من الأشخاص الذين ربونا، أو أصدقائنا أو أحبائنا- أو من المستقبل؛ من احتمالاتٍ سنلغيها بوفاتنا.

لذا بقيتُ على قيد الحياة، عدتُ إلى المنزل وانتهى بي الأمر أتقيأ بسبب الضغط الذي سبّبه لي الأمر بأكمله.

يُعد الانتحار الآن – في أماكن مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة- سببًا رئيسًا للوفاة، فهو مسئول عن أكثر من حالة وفاة من بين كل مائة حالة. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية فهو يقتل عددًا من الناس أكثر من ذلك الذي يقتله سرطان المعدة وتليف الكبد وسرطان القولون وسرطان الثدي والزهايمر. وبما أن الأشخاص الذين يقتلون أنفسهم غالبًا ما يكونون مكتئبين، فالاكتئاب هو أحد أكثر الأمراض فتكًا على الأرض، وهو يتسبب في قتل أشخاصٍ أكثر مما تفعل الأشكال الأخرى للعنف؛ مثل الحرب والإرهاب والعنف الأسري والاعتداء وجرائم السلاح، مجتمعةً. ومع ذلك ما زال الناس يعتقدون أن الاكتئاب ليس حقًا بهذا السوء، فإذا لم يكونوا يعتقدون ذلك، لم يكونوا ليقولوا ما يقولونه.

ما يقوله الناس لمرضى الاكتئاب ولا يقولونه في المواقف الأخرى المهددة للحياة:

‹‹أعلم أنك مصابٌ بالسُلّ، ولكن قد يكون الأمر أسوأ من ذلك، فعلى الأقل لم يمُت أحدٌ!››.

‹‹لِمَ تعتقد أنك مصابٌ بسرطان المعدة؟››.

‹‹أجل، أعلم أن سرطان القولون صعب، ولكن عليك أن تجرب الحياة مع أحد المصابين به، الأمر كالكابوس››.

‹‹آه، أتقول الزهايمر؟ أخبرني عن ذلك، فأنا أصاب به طوال الوقت››.

‹‹آه، التهاب السحايا. تذكر أن قوة عقلك يمكنها التغلب على المرض››.

‹‹أجل، أجل، أعلم أن ساقك تشتعل، ولكن حديثك عن الأمر طوال الوقت لن يساعد في شيء، أليس كذلك؟››.

‹‹حسنًا، أجل، أجل، لم ينفتح الباراشوت الخاص بك، ولكن كُن متفائلًا››.

عندما تكون محاصرًا بداخل شيءٍ تشعر أنه غير حقيقي، تبحث عن أي شيءٍ يمنحك إحساسًا بشأنك. فالتمستُ المعرفة، التمستُ الحقائق، وبحثت عنهم كطوق نجاةٍ في البحر. ولكن الإحصاءات خادعة، فما يحدث داخل العقل يمكن إخفاؤه. في بداية مرضي كنت أبذل الكثير من الجهد لأبدو طبيعيًّا، لا يعرف الناس غالبًا أن شخصًا ما يعاني إلا إذا أخبرهم بنفسه، ولا يحدث ذلك دائمًا في حالة الاكتئاب، وبخاصةٍ إذا كان المريض ذكرًا. كما أن الحقائق قد تغيرت بمرور الوقت، فالاكتئاب لم يكُن يُدعى اكتئابًا، بل كان يُدعى سوداوية، وكان الأشخاص الذين يعانون منه أقل كثيرًا ممن يعانون من الاكتئاب الحالي. ولكن هل كانوا أقل بالفعل؟ أم أن الناس الآن قد أصبحوا أكثر انفتاحًا فيما يتعلق بمثل تلك الأمور؟

ولكن على أي حال، فإليكم بعض الحقائق المتاحة لدينا الآن:

حقائق عن الانتحار

  • الانتحار هو السبب الرئيس للوفاة بين الرجال تحت سن الخامسة والثلاثين.
  • تختلف معدلات الانتحار اختلافًا واسعًا وفقًا لموقعك في العالم، فإذا كنت تقيم في جرينلاند على سبيل المثال فستكون نسبة احتمالية قتلك لنفسك أكثر 27 مرةً منها إذا كنت تقيم في اليونان.
  • يقتل مليون شخص أنفسهم سنويًّا، ويحاول ما بين 10 إلى 20 مليون شخص قتل أنفسهم سنويًّا. والرجال أكثر عرضةً بثلاث مرات لأن يقتلوا أنفسهم من النساء على مستوى العالم.

حقائق عن الاكتئاب

  • يُصاب واحد من كل خمسة أشخاص بالاكتئاب في مرحلةٍ ما من حياته. (برغم أن أكثر من ذلك سيعانون من مرضٍ عقليٍ ما).
  • استهلاك مضادات الاكتئاب في ازديادٍ في كل مكانٍ تقريبًا، ويصل إلى أعلى نسبه في أيسلندا، تليها أستراليا وكندا والدانمارك والسويد والبرتغال والمملكة المتحدة.
  • ستُعاني النساء من موجةٍ خطيرةٍ من الاكتئاب في حياتهنّ أكثر من الرجال بمقدار الضِعف. أكثرها شيوعًا في المملكة المتحدة مزيج بين القلق والاكتئاب، يليه القلق، واضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب المحض، وأنواع الرهاب، واضطرابات الأكل، والوسواس القهري، واضطراب الهلع.
  • النساء أكثر ميلًا من الرجال للسعي نحو العلاج من المشاكل الخاصة بالصحة العقلية وتلقيه. تصل احتمالية إصابة المرء بالاكتئاب لنسبة 40% إذا كان قد تم تشخيص إصابة أحد الوالدين به.

أريد أن أتحدث عن كَوني رجلًا، إن عدد الرجال الذين يقتلون أنفسهم أكبر بصورةٍ مدهشةٍ من النساء اللاتي تقتلن أنفسهن، فالنسبة في المملكة المتحدة 5,3 إلى 1، وفي اليونان 6 إلى 1، وفي الولايات المتحدة 4 إلى 1، فهذه النسب تمثِّل متوسطًا. إن الدول الوحيدة التي تقتل النساء أنفسهن فيها أكثر من الرجال هي الصين وهونج كونج وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، بينما في بقية الدول ينهي الرجال حياتهم أكثر مما تفعل النساء. ذلك أمر غريب خاصةً وأنه وفقًا لكل الدراسات فالنساء تعاني من الاكتئاب أكثر من الرجال بمقدار الضِعف تقريبًا.

إذًا فمن الواضح أنه في معظم البلاد هناك شيء ما مرتبط بكونك رجلًا يجعلك أكثر عرضةً لقتل نفسك، كما أن هناك مفارقة، فإذا كان الانتحار أحد أعراض الاكتئاب (وهو كذلك) فلماذا إذًا تعاني النساء من الاكتئاب أكثر من الرجال؟ أو بمعنى آخر، لماذا يصبح الاكتئاب أكثر فتكًا إذا كنتَ رجلًا؟ تُظهر حقيقة أن معدلات الانتحار تختلف من حقبةٍ لأخرى ومن دولةٍ لأخرى ومن جنسٍ لآخر أن الانتحار ليس أمرًا من المستحيل تغييره في كل الحالات. لننظر إلى المملكة المتحدة؛ أنهت 466,2 امرأة حياتها في عام 1981 بالمملكة المتحدة، بعد ثلاثين عامًا، انخفض هذا الرقم إلى النصف تقريبًا، أي 391,1 امرأة. أما ما يقابل ذلك من أعداد الرجال فكان 129,4 ثم أصبح 590,4. إذًا ففي عام 1981 عندما بدأ مكتب الإحصاءات القومي البريطاني في تسجيل البيانات كان الرجال أكثر عرضة كذلك لقتل أنفسهم من النساء، إلا أن ذلك كان بنسبة 9,1 فقط، أما الآن فهم أكثر عرضة بنسبة 5,3.

لماذا ما يزال العديد من الرجال يقتلون أنفسهم؟ ما المشكلة؟ الإجابة الشائعة هي أن الرجال عادةً ما ينظرون إلى المرض العقلي باعتباره علامةً على الضعف، ويعزفون عن السعي للحصول على المساعدة، فالفتيان لا يبكون. ولكنهم يبكون! نحن نبكي! أنا أبكي، أنا أنتحب طوال الوقت (انتحبتُ بعد ظهيرة اليوم، عندما كنت أشاهد فيلم Boyhood) والفتيان – والرجال- ينتحرون بالفعل.

في رواية White Noise للكاتب دون ديليلو، يؤرق الراوي جاك جلادني مفهوم الرجولة وكيف يرقى إلى هذا المفهوم، فيقول: ‹‹ماذا يمكن أن يكون أقل فائدةً من رجلٍ لا يستطيع إصلاح صنبورٍ يقطر ماءً؟ غير مفيد من الأساس، فهو ميت في نظر التاريخ، وفي نظر جيناته››. وماذا إذا كان ما يواجهه عقلًا معطلًا وليس صنبورًا معطلًا؟ ربما سيشعر الرجل بالقلق بشأن رجولته فعليه أن يتمكّن من إصلاح ذلك بنفسه أيضًا، مستعينًا بلا شيء سوى الصمت وسط ‹‹الضجيج الأبيض›› الذي تتسم به الحياة المعاصرة، وربما بضعة لترات من الكحول.

ما زال الكثير من الناس يعتقدون أن الاكتئاب يرتبط باختلال التوازن الكيميائي، فكما كتب كورت فونيجت في قصة Breakfast of Champions: ‹‹كان الجنون الأولّي بالأساس مسألة كيميائية، فكان جسم دوين هوفر ينتج مواد كيميائية محددة لم تتوازن تمامًا في عقله››. إنها فكرة جذابة، ودعمتها على مر الأعوام دراسات علمية عديدة. فقد ركزت العديد من الأبحاث عن الأسباب العلمية للاكتئاب على المواد الكيميائية، مثل الدوبامين والسيروتونين. السيروتونين هو ناقل عصبي، نوع من المواد الكيميائية يرسل إشارات من منطقةٍ ما في المخ إلى أخرى. تذهب النظرية إلى أن الخلل في توازن مستويات السيروتونين – الذي يسببه انخفاض إنتاج خلايا المخ للسيروتونين- يعادل الاكتئاب. فلا عجب إذًا من أن بعض أكثر مضادات الاكتئاب شيوعًا؛ بدءًا من بروزاك وكل ما يليه، هي (SSRI)؛ أي أدوية رافعة لنسبة السيروتونين، والتي تزيد مستويات السيروتونين في مخك.

إلا أن نظرية الاكتئاب المتعلقة بالسيروتونين تبدو متذبذبة قليلًا، وقد ألقى الضوء على هذه المشكلة ظهور مضادات اكتئاب لا تأثير لها على السيروتونين، بل وبعضها يعمل عملًا مضادًا تمامًا لأدوية SSRI، والتي اتضح أنها فعالة بنفس القدر في علاج الاكتئاب. أضِف إلى ذلك حقيقة أن السيروتونين بداخل عقل بشري حي نشط من الصعب قياسه، وبالتأكيد ليس لدينا صورة شاملة له.

في عام 2008، كان بين جولداكر قد بدأ يشكك في نموذج السيروتونين بالفعل في صحيفة الجارديان، فكتب: ‹‹يبيع المحتالون العاملون في صناعة الأدوية التي يبلغ حجمها 600 مليار دولار فكرة أن الاكتئاب ينتج عن انخفاض معدلات السيروتونين في المخ، وهكذا فأنت بحاجة إلى أدويةٍ ترفع مستويات السيروتونين في مخك… هذه هي فرضية السيروتونين. لطالما كانت هذه الفرضية غير أكيدة، والأدلة الآن متناقضة بصورةٍ ضخمة››. فالعلماء إذًا لا يرددون كلمات الأغنية ذاتها، بل أن بعضهم لا يصدقون كلمات الأغنية، وبعضهم قد كتب أغنيته الخاصة.

روبرت مالينكا؛ أستاذ العلم السلوكي بجامعة ستانفورد، على سبيل المثال يعتقد أن هناك حاجة لإجراء أبحاث في مناطق أخرى، مثل الجزء في منتصف المخ تمامًا، النواة المتكئة الصغيرة nucleus accumbens. والتي تُعرف بأنها مسئولة عن المتعة والإدمان، ولذا فيبدو منطقيًّا أنها إذا لم تكن تعمل على نحوٍ سليم فسنشعر بعكس المتعة؛ انعدام التلذذ، وهو عدم القدرة على الشعور بالمتعة، وهو أحد الأعراض الرئيسة للاكتئاب.

ربما لن يعطينا البحث في جزءٍ محدد أو مادة كيميائية محددة في المخ سوى نتائج جزئية، ربما علينا أن نبحث في طريقة حياتنا وكيف أن عقولنا غير مؤهلة لتحيا الحياة التي نعيشها. إن العقول البشرية في جوهرها – من حيث الإدراك والإحساس والوعي- كما كانت تمامًا في عهد شكسبير أو يسوع أو كليوباترا أو العصر الحجري، فهي لا تتطور بنفس سرعة التغيير. لم يضطر إنسان العصر الحجري الحديث إلى التعامل مع البريد الإلكتروني أو الأخبار العاجلة أو الإعلانات المفاجئة أو أغاني إيجي أزاليا أو محاولة الخروج من متجر تيسكو مترو مساء يوم مزدحم. ربما بدلًا من القلق بشأن تحديث التكنولوجيا والسماح لأنفسنا بأن نتحول ببطءٍ إلى أناسيّ مُسيرين آليًّا، علينا أن نفكر قليلًا في كيف يمكننا أن نحدِّث قدرتنا على التأقلم مع كل هذا التغيير.

الأمر الوحيد الأكيد؛ أننا بعيدون تمامًا عن نهاية العلم، لا سيما إذا ما كان علمًا وليدًا مثل علم الأعصاب. إذًا فمعظم ما نعرفه الآن سيُدحَض أو يُعاد تقييمه، فهكذا يعمل العلم، عبر الشك المستمر، وليس عبر الإيمان الأعمى.

كل ما يمكننا فعله في الوقت الحالي هو أن نستمع إلى أنفسنا، وهو في الحقيقة كل ما نحتاج إلى فعله، عندما نحاول أن نتحسَّن فإن الحقيقة الوحيدة التي تهم هي تلك التي تنجح معنا، إذا نجح شيءٌ ما فليس علينا بالضرورة أن نهتم بالسبب. لم ينجح معي عقار ديازيبام، كما لم تشفيني الأقراص المنوِّمة ولا نبتة سانت جونز ولا المعالجة المثلية، لم أجرب بروزاك مطلقًا لأن الفكرة ذاتها كانت تزيد من حدة هلعي، لذا فلا أعرف مدى فعاليته. ولكني لم أجرب العلاج السلوكي الإدراكي أيضًا. إذا كانت الأقراص تنجح معك، فلا يهم حقًا إذا ما كان لذلك علاقة بالسيروتونين أو أي عملية أخرى أو أمر آخر، استمر في تناولها. إذا كان لعق ورق الحائط ينجح معك، افعله!

جاءت لحظة التعافي في حالتي في أبريل 2000، كانت غير منطقية تمامًا، في الحقيقة ليس هناك الكثير مما يمكن أن أكتبه عنها. كان هذا بيت القصيد، كانت لحظة من اللاشيء، من الغفلة، من قضاء 10 ثوانٍ تقريبًا مستيقظًا دون التفكير في اكتئابي أو قلقي، كنت أفكر في العمل، في محاولة نشر مقالٍ في صحيفة. لم تكن فكرةً سعيدة ولكنها كانت فكرة محايدة، ولكنها كانت نقطةً مضيئةً، علامةً على أن الشمس ما زالت مشرقة في مكانٍ ما. انتهى الأمر بسرعةٍ، ولكن عندما عاد الضباب مرةً أخرى كان هناك أمل، في أن سيكون هناك وقت تصبح فيه تلك الثواني الهادئة دقائق وساعات وربما حتى أيامًا.

أنا لست ضد الأدوية، إنني مؤيد لأي شيء قد ينجح، وأعلم أن الأدوية تنجح مع الكثير من الناس، ربما يأتي وقت أتناول فيه الأدوية ثانيةً، أما الآن فأفعل ما أعرف أنه يبقيني في مستوى جيد. تساعدني ممارسة الرياضة بالتأكيد، وكذلك اليوجا، والانغماس في شيءٍ أحبه أو مع شخصٍ أحبه، لذا أستمر في فعل تلك الأشياء. أعتقد أنه مع غياب اليقينيات العالمية، فإننا معملنا الخاص، الأفضل. إذا كنت رجلًا أو امرأة تعاني من مشاكل متعلقة بالصحة العقلية فأنت جزء من مجموعةٍ كبيرة للغاية ومتنامية، لقد عانى العديد من أعظم الأشخاص وأكثرهم قوةً على مر التاريخ من الاكتئاب. فهناك سياسيون ورجال فضاء وشعراء ورسامون وفلاسفة وعلماء وعلماء رياضيات (الكثير والكثير من علماء الرياضيات) والممثلون والملاكمون ونشطاء السلام وقادة الحروب ومليار شخص آخر يناضلون في معاركهم الخاصة. إصابتك بالاكتئاب لا تجعل منك رجلًا أو امرأة أو إنسانًا أقل أو أكثر مما تجعلك الإصابة بالسرطان أو بمرضٍ قلبي وعائي أو في حادثة سيارة.

ماذا علينا أن نفعل إذًا؟ نتحدث، نستمع، ونشجّع على الحديث، ونشجّع على الاستماع، ونستمر في الإضافة إلى المحادثة، ونظل متنبهين لهؤلاء الذين يريدون الانضمام للمحادثة، ونظل نعيد مرارًا وتكرارًا أن الاكتئاب ليس أمرًا تعترف به ولا أمرًا عليك أن تخجل منه، إنه تجربة إنسانية. الأمر لا يتعلق بك، إنه ببساطة أمر يحدث لك، وهو أمر يمكن تخفيفه غالبًا بالحديث، بالكلمات، بالراحة، بالدعم. استغرقني الأمر أكثر من عقدٍ لكي أستطيع الحديث بصراحة وعلى نحوٍ سليم عن تجربتي، للجميع. وسرعان ما اكتشفتُ أن فعل الحديث نفسه علاجٌ، فطالما وُجد الحديث وُجد الأمل.