أخبار الاردن والعرب أولا بأول

الاردن يفكر برفع اليد عن اللاجئين السوريين . . الدعم للمواطن لا للسلع

129

خلافاً للمألوف الدبلوماسي بدأ بعض سفراء الدول الكبرى في عمان التعبير عن انزعاجهم من نغمة الحكومة التي تتهم المجتمع الدولي بالتخلي عن مساعدة الأردن. والحديث عن ملف اللجوء السوري يقفز إلى مستويات غير مسبوقة من الحدية في النقاش وسط الدبلوماسيين الأجانب بعد الإعلان الأردني الصريح بالتعامل مع اللاجئين السوريين باعتبارهم «أجانب» ، الأمر الذي يمهد محلياً لنفض الغبار عن برنامج الدعم النقدي المباشر للسلع الأساسية الذي يستهدف الأردنيين فقط دون غيرهم، ما يقود لتكريس الانطباع عن ردود أردنية حادة نوعاً ما على الدول الكبرى التي ترفض تبرير المساعدات للجانب الأردني.

يُحاجج بعض السفراء الغربيين بإصدار بيانات توضح حجم المساعدات التي قدمت للأردن في السياق، مع إظهار الضيق والانزعاج من تكرير الاتهامات لدولهم على أمل تبرير إخفاق الحكومة في تحفيز النمو الاقتصادي. هذا ضمنياً ما قاله جهاد أزعور حسب خبراء اقتصاديين عندما تحدث للرأي العام الأردني بصفته مسؤولاً عن ملف الديون الأردنية في صندوق النقد الدولي قبل أن يرد عليه طبعاً رئيس الحكومة هاني الملقي مساء الاثنين بالإشارة إلى أن بلاده لا تتحرك في ضوء «إملاءات» من أي جهة رافعاً ولأول مرة شعار
«الدعم بعد الآن للمواطن الأردني لا للسلعة».

أزعور بتحليل حتى بعض الرسميين الأردنيين وجه ضربة عميقة غير مباشرة للحكومة الأردنية عندما نفى علناً وجود اشتراطات لها علاقة بالسلم الضريبي تحديدًا.

الأردن عملياً هاجم في أكثر من موقع سياسات تخلي المجتمع الدولي عنه في ملف اللاجئين. لكن هذا الهجوم الذي استقبله سفراء غربيون بانزعاج ملموس لم يترافق مع إقرار رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي بوجود خلل ارتقى أحياناً لمستوى الإخفاق والفشل في إدارة طاقمه الاقتصادي. ولا تتطرق أدبيات الحكومة للإقرار بوجود خلل عميق وأساسي أصلا عند الرهان على ملف اللجوء السوري اقتصادياً ومالياً ولا حتى عند رصد إخفاق في إدارة مفاوضات مقنعة مع الدول المانحة لتحسين موقع المملكة التفاوضي في السياق، حيث نجحت تركيا وحقق لبنان بعض المكاسب، فيما لم يحقق الطاقم الأردني المعني بالملف مكاسب من أي نوع، برغم الاصرار على حضور النشاطات والفعاليات الدولية جميعها تحت عنوان تمويل خدمات اللجوء السوري.

يعرف الأردنيون، لكن حكومتهم لا تريد الاعتراف بأن المبالغة في سقف التوقعات بملف اللجوء السوري تسببت بها أصلاً سلسلة تصريحات متسرعة لرمزين في الحكومة الأردنية على الأقل، شغلا وزارة التخطيط مؤخراً، هما الدكتور عماد الفاخوري وزير التخطيط الحالي وسلفه في الموقع الدكتور جعفر حسان. ولأسباب متعددة لا يريد الطاقم الاقتصادي الأردني الإقرار بحصول إخفاق في عملية التفاوض ورفع سقف التوقعات المالية أصلاً.

بالتوازي لا تريد المؤسسة السياسية والبيروقراطية ممثلة بالحكومة الإقرار بحصول عيوب عميقة أصلاً في إدارة مجمل ملف اللجوء السوري، خصوصا أن دولا خليجية كبيرة من بينها السعودية والإمارات تخلت تماماً عن الأردن بعد أن ضغطت عليه بشدة لفتح الحدود على مصاريعها أمام اللاجئين السوريين عند بداية الأزمة السورية، تحت عنوان انفعالي متسارع يتحدث عن سقوط وشيك للنظام السوري.

لا تجد حكومة الأردن عمليًا اليوم وسيلة للاعتراف بالإخفاق برغم أن القيادة الأردنية تحركت طوال سنين أفقياً وعمودياً، وفي المسارات والاتجاهات كلها لتأسيس مبادرات تسمح للطاقم البيروقراطي بالعمل والاختراق، الأمر الذي لم يحصل لأسباب يبدو أنها مرتبطة مجدداً بأزمة الأدوات والرموز.

بعيداً عن الأزمة المشار إليها، بدأ الأردن اليوم يستدرك، لكن بانفعال أيضاً، فقد تحول اللاجئون السوريون من مكون اجتماعي في الأردن سيقيم طويلاً وسيؤدي إلى تعزيز فرص الاستثمار والتنمية والتنوع الاجتماعي، على حد تعبير رئيس الديوان الملكي الدكتور فايز الطراونة، وفي لقاء شهير مع مثقفين إلى «كتلة سكانية» مرهقة اليوم مليئة بالأجانب وتشكل عبئاً كبيراً على خزينة البلاد، ولا يمكن القبول بعد الآن بالاستمرار بالإنفاق عليها وسط حالة الجحود العربي والنكران الدولي.

الانفعال يبدو ملموساً هنا، بعد فشل وإخفاق رهانات الطاقم الأردني والمؤسسات أمام الحقيقة مجدداً، فالأمر لم يعد يقف عند حدود أجانب أو مقيمين أو عند حدود إغلاق ملف مرحلة المساعدات، بل تعداه للبحث في خيارات على مستوى أزمة حقيقية. وهو بحث منفعل الآن بجملة سياسية، كردة فعل بدأت بدورها تنتج تعليقات من مجتمع السفراء، تعيد التذكير بأن طلب المال لا يعني الالتزام بدفعه.

هنا حصرياً يشتكي سفراء من الخطاب الانفعالي والاتهامي لمسؤولين بارزين يتحدثون معهم باسم الدولة الأردنية. وهنا أيضاً وفي سياق لحظة الحقيقة نفسها، ينعى الأردنيون من دون الإعلان برنامجهم السابق في الاستثمار بملف اللجوء السوري مظهرين وكما تلمست «القدس العربي» من تعليق الناطق الرسمي الدكتور محمد المومني الاستعداد للمجازفة بإغضاب المجتمع الدولي والسفراء مقابل الدفاع عن الخيارات الوطنية والأمنية والمصالح الأردنية.

لكن مثل هذه الجملة من ردود الفعل، يبدو أنها لا تعجب وزير الخارجية الحالي أيمن الصفدي، وقد تلقي به إلى موقع آخر في وقت قد لا يكون بعيداً، في الوقت الذي تسترسل فيه سلطات، بصمت في برنامج خاص لترحيل أكبر عدد ممكن من اللاجئين السوريين إلى بلادهم، مع توجيه رسائل في السياق عبرهم إلى المجموعة الدولية التي خذلت الأردنيين حتى لا يقال إن الرسميين الذين أتيحت لهم فرصة التفاوض والتحدث باسم خيارات الدولة الأردنية هم الذين أخفقوا في الواجب المناط بهم، ورفعوا سقف التوقعات من دون منهجية عميقة بسبب عدم وجود مهارات تفاوض ولا خلفيات سياسية فكرية ذات أثر، وبسبب العشوائية والارتجال والتسرع في إطلاق التصريحات واستفزاز ممثلي الدول الصديقة.

التعليقات مغلقة.