أفكار خاطئة كونك نحيفًا لا يعني أن صحتك جيدة

75

نشعر في أحيان كثيرة بالغيرة من هؤلاء الذين لا يحسبون سعراتهم الحرارية أو يفكرون أكثر من مرة قبل تناول وجبة بيتزا أو دجاج مقرمش، ولكن هذه الغيرة ليست في محلها، فهذه الظاهرة الشائعة تكون قاتلة أحيانًا. فيمكن للشخص النحيف أن يكون مصابًا بارتفاع ضغط الدم أو السكري أو أمراض القلب، لكن ثقافتنا المهووسة بالوزن والشكل العام للجسم لا تتذكر أبدًا أن الأمراض يمكن أن تكون أبعد كثيرًا من المظهر الخارجي.

النحافة ثقافة العصر

تستند الرغبة الملحة في الحصول على جسد نحيف ومثالي إلى مفاهيم خاطئة لدى الأفراد حول مفهوم الصحة الجسدية. وأحد هذه المفاهيم الخاطئة هو أنه إذا كان الشخص نحيفًا فهو ذو صحة جيدة، بينما الحقيقة هي أن هذا الربط المطلق غير حقيقي، وربما يعود إلى أخبار مواقع الصحة التي تكرر أن الوزن الزائد غير جيد لصحتك، وأن الدهون تؤدي إلى أمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم ومشاكل لا حصر لها، ولكن حسب بعض الدراسات الجديدة فكون جسدك خاليًا من الدهون الزائدة لن يحميه من بعض هذه الأمراض.

قد يفترض العديد من الأشخاص النحيفين أنهم يتمتعون بصحة جيدة، فيهملون فحوصات الدم المنتظمة لفحص مستوى الكولسترول والجلوكوز في الدم، ما قد يعرضهم لخطر الإصابة بنوبة قلبية أو تلف الأنسجة والأعضاء بسبب مرض السكر، لذا ينصح الأطباء بعمل فحوصات منتظمة بغض النظر عن الوزن؛ ما قد يساعد الكثيرين على البقاء بصحة جيدة بعيدًا عن أمراض القلب والسكر.

في تحليل وراثي شارك فيه أكثر من 75 ألف شخص، وجدت مجموعة من الأطباء بقيادة روث لوس من مجلس البحوث الطبية البريطاني، أن الأشخاص النحيلين الذين لديهم نوع جين وراثي معين كانوا أكثر عرضة للإصابة بداء السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب على الرغم من انخفاض الدهون بأجسادهم. أكد هؤلاء الأطباء على أن الأكثر أهمية من كمية الدهون بالجسد، هو نوعية هذه الدهون، فتظهر مجموعة من الأدلة الطبية على أن الدهون المتركزة تحت الجلد لا تسهم كثيرًا في الإصابة بالسكري وأمراض القلب، لكن الدهون المتراكمة في الأنسجة والعضلات والأعضاء مثل الكبد، يمكن أن تعرضك لمواجهة أخطر الأمراض بشكل أكثر تأثيرًا.

معايير خادعة لقياس صحتك

الوزن هو أحد المعايير التي نقيم بها الصحة، ولكن علينا أن ننظر إلى ما وراء الغطاء والدهون الظاهرة. تقول الباحثة الدكتورة تيموثي تشيرش، مديرة مختبر الطب الوقائي بمركز بنينجتون للأبحاث الطبية أن الميزان ليس معيارًا لصحتنا، وأن التغيرات الأخيرة في نمط الحياة أثرت بشكل ملحوظ على مدى إصابتنا بالأمراض المزمنة، ويمكننا تجنب ذلك كله عن طريق تطوير نظام غذائي صحي، مع ممارسة الرياضة بشكل مستمر، والتحكم في الضغط والتوتر، والإقلاع عن التدخين.

يوضح دانيال نيدس، المدير الطبي لمعهد الصحة في «كليفلاند كلينيك»، أن الشخص يمكن أن يبدو لنا لائقًا تمامًا ولكن من الداخل هو حطام جسد، فإن هناك أشخاصًا نحيفين يعانون من تمركز الدهون داخل أجسادهم لأنهم قد لا يأكلون الخضروات ويحبون شرائح اللحم المقلية ولا يمارسون الرياضة أبدًا، ورغم ذلك هم نحيفون

للتأكيد على ذلك يستشهد دكتور نيدس بمريض لديه، يبلغ من العمر 46 عامًا، وكان وزنه مثاليًا، ومؤشر كتلة جسمه طبيعيًا، ولكن عندما قرر هذا الشخص التوقف عن تناول دواء ضغط الدم، أصيب بجلطة دماغية أقعدته عن الحركة وما زال على كرسيه المتحرك منذ ذلك الوقت. وفي كتابه «حل مشكلة السكر بالدم» يذكر الدكتور مارك هيمان أن الإنسان إذا تناول السكريات والأطعمة المجهزة بنسبة أكبر إلى الخضراوات، فإنه يتسبب في تخزين الدهون الحشوية بداخل جسده، وهي النوع الأكثر خطورة، والمختلف عن الدهون تحت الجلد.

كثرت الدراسات التي تثبت هذه العلاقة، ففي عام 2008 كشفت دراسة عن أن حوالي 25% من البالغين ذوي الوزن الطبيعي في الولايات المتحدة الأمريكية لا يؤدي قلبهم وظيفته بشكل سليم ويعانون ارتفاع ضغط الدم أو الكوليسترول، ووجدت دراسة في عام 2014 أن الأشخاص الذين يتميزون بمؤشر كتلة جسم مثالي، ولكن لديهم نسبة دهون زائدة يواجهون مخاطر أعلى من مشاكل التمثيل الغذائي ومجموعة من الأمراض قد تؤدي إلى الوفاة.

هل نتحكم في أماكن تخزين الدهون؟

لا يمكن لأحد التدخل في أماكن تخزين جسدك للدهون، فيقول دكتور روث لوس أن هذا الأمر خارج عن السيطرة تمامًا، وتتحكم فيه الجينات ونوع الجنس؛ ففي حين تميل أجساد النساء لتخزين الدهون أسفل الجلد، فإن الرجال يخزنون دهونهم عميقًا في الأنسجة. وفي دراسة حالية حاول الباحثون تحديد قدرة العامل الوراثي في ذلك، وحدد الباحثون أن جينًا واحدًا فقط من بين أكثر من 2.5 مليون جين وراثي هو المسؤول عن توزيع الدهون بالجسم، وأن هذا الجين يهيئ الجسد ليودع الدهون في أنسجته وأعضائه الداخلية وعضلاته، بدلًا من توزيعها تحت الجلد بشكل حميد، فيعمل الجين بشكل خاطئ ويمنع الدهون من عملها الطبيعي ويؤثر على أداء الأعضاء الوظيفي بالسلب.

ما كان غريبًا على الأطباء والباحثين هو قدرة الجين الشاذ على إفساد عوامل التمثيل الغذائي مثل مستويات الكوليسترول ومقاومة الأنسولين حتى في جسد الأشخاص الذين يعانون من نقص الدهون بجسدهم عن المعدل الطبيعي، ووجدوا أنه رغم ذلك فإنهم يعانون من ارتفاع مستوى الكوليسترول في الدم، وتبني أجسادهم مقاومة عنيفة ضد علاج الأنسولين، والتي هي أول أعراض مرض السكري.

الغذاء المشبع بالدهون قد يسبب السرطان

مؤخرًا، اكتشف الباحثون بجامعة «إدنبره» أن الدهون الحشوية غير الحميدة بخلاف ارتباطها بأمراض السمنة يمكن أن ترتبط أيضًا بالسرطان، وعرفوا الدهون الحشوية على أنها هي التي تتراكم حول الأعضاء الداخلية مثل القلب والكلى والأمعاء، وتعد قاتلًا صامتًا، لأنها من الممكن أن تكون موجودة لدى العديد من الأشخاص النحيفين، وهي تنبع من مصدر مختلف عن الدهون الموجودة تحت الجلد، فيتسبب فيها نوع معين من الخلايا الموجودة في الجنين النامي في رحم أمه.

يسعى اليوم هؤلاء الباحثون نحو طرق جديدة للتحكم في كيفية عمل هذا النوع من الخلايا مع الدهون الضارة المحيطة بالأعضاء الحيوية، حتى يصبح من الممكن تقليل فرص تطورها وتسببها في الأمراض المزمنة والخطيرة.

ووجدت الدراسة المنشورة بمجلة «نيتشر»، أنه بإجراء التجارب على الفئران المعدلة وراثيًا كان ما نسبته 80% من الدهون البطنية الحشوية في بطونهم تأتي من خلايا أحد الجينات المعروفة باسم «wt1» والمرتبطة بأورام الكلى، وأن الدهون الموجودة تحت الجلد لها أصل مختلف وغير مرتبطة بعمل أي من الجينات، لكنها تتأثر بعوامل خارجية مثل النظام الغذائي.

وأشارت الدراسة إلى أن الدهون الحشوية تنشأ والجنين داخل الرحم ولكنها تبدأ في عملها بالتكون بعد الولادة وتؤثر على تشكيل غشاء «الميزوثليوم» الواقي حول مستودعات الدهون الحشوية بالبطن، وكان من المفاجئ للباحثين عمل هذا الغشاء في البطن، فالدهون الحشوية لا تكتفي بالتكون، ولكنها تستخدم الغشاء ليحيط بها ما يحول الخلايا الدهنية لأعضاء صغيرة داخل البطن.

كيف يؤثر الطعام السيئ على عقلك؟

بخلاف الأمراض المزمنة، فقد أظهرت الأبحاث الأخيرة أن الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات قد يحمل آثارًا سلبية على العقل، وتؤثر على قدرة الفرد في التعلم والتذكر، وأن السمنة عادة مرتبطة بضعف في الوظائف المعرفية، وقد جرى تقييم ذلك من خلال مجموعة من اختبار الوظائف الإدراكية :كاختبار القدرة على تذكر قائمة من الكلمات جرى عرضها على الأشخاص محل الدراسة قبل بضع دقائق. والأهم من ذلك أن هذه الاختبارات أجريت بعد السيطرة على مجموعة من العوامل بما في ذلك مستوى التعليم والبيئة وظروف طبية أخرى.

في دراسة أجرتها جامعة «أكسفورد» تبينت مجموعة من الأدلة المتزايدة على تأثير النظام الغذائي السيئ على الإعاقات الإدراكية، فعندما خضعت مجموعة من البالغين الأصحاء لنظام غذائي غني بالدهون لمدة خمسة أيام أبدوا تراجعًا في الانتباه والذاكرة والحالة المزاجية مقارنة بمجموعة مماثلة لكنها كانت تحت مراقبة مع نظام غذائي قليل الدهون؛ ومن هنا يمكننا بسهولة استنباط حقيقة أن وزن الجسم ليس المؤشر الأفضل لصحة الجسم، وأن أفضل مؤشر هو النظام الغذائي العام للفرد.