آثار اقالة “نجل الروابدة” تنحسر: السطو يدخل أدبيات الشارع الأردني بالقوة.. والعاصمة الأردنية “بؤرة الخروج على القانون

381

يدخل “السطو” أدبيات الشارع الأردني بالقوة ويفرض نفسه على المؤسسات الاستثمارية وبعض المنشآت الأخرى من بنوك ولاحقاً صيدليات ومكاتب، بالتزامن مع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للضغط ضد مؤسسات وشخصيات نافذة في الدولة كما حصل في حادثة “سائق الباص” الشهيرة.

نمو الظاهرة الأولى وسابقة الاشكالية الثانية تزامنا مع تراجع تطبيق البروتوكول غير المكتوب في “تنفيس الشارع” عبر تحميل الحكومات مسؤوليات الغضب الشعبي وترحيلهم، يمكن ان يفسروا مجتمعين الاتجاه الواسع للشارع الاردني، حيث انعدام الثقة بالاحتجاجات، وتنامي الشعور بعدم الانصاف وانعدام افق الحلول (رغم انها في كثير من الاحيان لم تكن حلولا)، والاخطر تراجع هيبة القانون.

تراجع هيبة المؤسسات الكبير وخصوصا مؤسسة ممثلي الشعب الممثلة بالنواب، يلعب دورا هنا في تشكيل اتجاه شعبي مضاد للديمقراطية الموجودة حاليا على الاقل، وهذا ايضا يسهم في تمكين ثقافة الخروج على القانون، والتي تنمو بالضرورة عكسيا مع زيادة الشعور بالمواطنة- الثقافة التي تكاد تكون غائبة تماما في دولة صغيرة كالاردن، والاسباب معروفة، سواء باعتماد نظام المحاصصة وبتنمية الاقليمية والمناطقية من خلال السياسات المتعاقبة، او حتى عبر الطبقية الاقتصادية والاجتماعية.

 

الخطير هذه المرة، ليس فقط وصول عمليات السطو لمرحلة الظاهرة وحسب، وانما الاخطر ان السطو يتم في العاصمة وليس في المحافظات، اي ان الخرق العلني للقانون وغير النابع من دافع احتجاجي او انفعالي، يأتي من البيئة المفترض انها تتمتع بأكبر حصة من الخدمات والتنمية في المملكة، بخلاف ما يحصل في المحافظات، حيث احتجاجات محدودة واعتداءات ابسط بكثير على المال العام، وتجنب للاعتداء على المال الخاص.

 

سريالية المشهد المذكور بحد ذاتها تحتاج الكثير من التأمل والتعمّق، الامر الذي اعتبره سياسي محنّك في حديث خاص له مع “رأي اليوم” انعكاس حقيقي لثقافة كثيرين في العاصمة حيث التمدّن لا علاقة له بالمواطنة والحفاظ على الدولة، وحيث كثر يقرؤون جيدا ان اكبر نسبة فساد في مؤسسات الدولة موجودة في العاصمة، والتهرب الضريبي كذلك وغيره من الممارسات التي لم تتم معالجتها بعد.

 

الاخطر، ان تزامن عمليات السطو مع رفع الاسعار جعل الاردنيين ينقسمون بين رافض ومبرّرٍ للعمليات المذكورة، وهو امر ايضا يبدو جديدا على المجتمع الاردني، ويستدعي المزيد من الانتباه ليس على المستوى الامني وانما على المستوى الاقتصادي، حيث يتابع الاردنيون اتساع الهوة بين الطبقات الاجتماعية- الاقتصادية دون ان يجد عمليا حلولا تُفعّل لذلك. وهنا يمكن بوضوح التحذير من العودة لمربع ما قبل الهبة الشعبية في عام 2011 حيث من الممكن “شرعنة الفساد” وبصورة اكثر تأزيما “السرقة”.

 

يحصل ذلك، بينما ايضا يتراجع تأثير حادثة “سائق الباص” الشهيرة، حيث اقيل ابن رئيس الوزراء المخضرم الدكتور عبد الرؤوف الروابدة لصالح سائق باص استخدم سلطته ضده.

تراجع تأثير الحادثة تماما هنا بعدما نُقل عن “استغلال” مراكز اوسع للاطاحة بابن الروابدة لصالح صاحب امبراطورية باصات “جت” مالك حداد، والذي بينه وبين الروابدة الوالد اساسا “ثأر قديم” حسب مقربين منه. في التفاصيل المقربة من الرجلين لعب رئيس الديوان الملكي الدكتور فايز الطراونة دورا بارزا في الانتصار لحداد، الذي عُيّن وزيرا ليوم واحد.

 

عمليا، حادثة الروابدة الابن وتنحيته، ما كانت لتخفت او تؤوّل لو تبعتها على الاقل انتصارات لـ “غلابى” في الشارع الاردني على غرار “ام رامز” التي ذاع صيت “عربة الكعك” التي دمرها لها جند بلدية العاصمة، او حتى لو لقي مدير الامن احمد الفقيه ولو تنبيها في حادثة الروابدة نفسها باعتباره كان خلف تلقي سائق الباص مخالفة “بغير وجه حق”.

 

بالانتباه للتفاصيل قليلا، يمكن لمراكز صناعة القرار في الاردن التنبه لحالة احتقان متفاقمة قد تضرب القيمة الوحيدة التي يفاخر بها الاردن في محيطه والتي تتمثل بالامن والامان، وهو ما اكد رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي في مقابلته قبل ايام انه القيمة التي يدفع الاردنيون ثمنها.

 

بكل الاحوال، الازمة الاساسية اليوم في العاصمة، وتخلخل الامن في مركز التنمية والخدمات، ينبئ حتما بأزمة كبيرة يجب الانتباه لها، وبقاء “الكبار” دون حساب او مساءلة جرّأ الاصغر منهم، وهنا يمكن العودة لتصريحات رئيس الوزراء الاسبق علي ابو الراغب حين حذّر قبل عامين تقريبا من تنامي الفساد الصغير بصورة كبيرة.

 

السلط والكرك اليوم تشهدان احتجاجات يمكن القول انها محدودة، ولكنها مستمرة وهنا قد يكون العلاج الذي يحاوله رئيس الحكومة بتعيين زعامات منهما حلا مؤقتا، ولكن الازمة الحقيقية للاسف تتفاقم في العاصمة.