هل يكون أردنيو “جبهة النصرة” نواة دولة الأردن الإسلامية؟

عاد التيار السلفي الجهادي في الأردن ليفرض نفسه بقوة على خريطة الاحداث داخلياً واقليمياً، بعدما تضاءل دوره وحجم تأثيره منذ حادثتي تفجير الفنادق في عمان خريف 2005 ومقتل زعيم تنظيم “القاعدة في بلاد الرافدين” أبو مصعب الزرقاوي، الأردني الذي ينتمي الى قبيلة بني حسن، إحدى كبرى قبائل الأردن.

هذا الظهور الجديد ساهمت فيه بصورة جلية استفادة التيار من تطورات الربيع العربي، فهو انضم الى الحراك الاصلاحي بصورة أو بأخرى، ليس في الأردن فحسب، بل في بلدان اخرى، كما في مصر وتونس.
في الأردن، استفاد السلفيون من أخطائهم السابقة، فطوروا أدواتهم وركزوا بشكل جيد على التواصل مع الاعلام، لتغيير الصورة النمطية عنهم في الشارع، ويتهم احد قادتهم، وهو ابو محمد الطحاوي، الحكومة الاردنية واذرعتها الأمنية بتشويه صورتهم.
وهم انضموا الى الحراك الاصلاحي الشعبي على خجل، وتبنوا قسماً من مطالبه، وخصوصاً ما يتعلق منها بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
اقليمياً، التحق السلفيون الاردنيون بالثورة السورية عقب دعوة زعيم تنظيم “القاعدة” ايمن الظواهري في شباط 2012 لنصرة الثورة ضد النظام “الكافر” المرتبط بإيران “الشيعية”. وانضموا الى “جبهة النصرة” التي أعلنت عن نفسها قبل دعوة الظواهري بشهر. وبلغ عددهم وفقاً للقيادي في التيار محمود الشلبي “أبو سياف” نحن خمسمئة رجل، قتل منهم أكثر من 30. وهم بانخراطهم في الثورة السورية كسبوا تعاطفاً شعبياً أردنياً لوقوف كثير من الأردنيين، ومعهم “الأخوان المسلمون”، ضد النظام السوري.
والتيار السلفي (او التكفيري كما يسميه الاعلام العربي الرسمي) انخرط في الكفاح المسلح ضد الانظمة الاستبدادية، مدعوماً من الغرب عسكرياً من طريق حلف شمال الاطلسي، كما في ليبيا، ومدعوماً على خجل من بعض الدول الاوروبية مثل فرنسا، كما في سوريا، وبقوة من دول مرتبطة بالغرب في الخليج.
وكان يمكن هذا الدعم ان يستمر لولا تخوّف واشنطن من ان تكون سلمت ليبيا الى السلفية الجهادية المرتبطة بـ”القاعدة”، وتعمقت مخاوفها بمقتل السفير الاميركي لدى ليبيا كريس ستيفنس في تشرين الاول في بنغازي، واتجاه اصابع الاتهام الى التيار السلفي في ليبيا.
هذا الحادث جعل واشنطن تنقلب على مواقفها السابقة وتتنبه الى انها سلمت ليبيا على طبق من فضة الى “القاعدة”. وهو سيناريو شبيه بما فعلته في العراق عندما أطاحت نظام البعث، واضطرت، كي لا تتسلمه “قاعدة” العراق، الى ان تقدمه الى ايران.
ومستفيدة من دروس العراق وليبيا وقبلهما افغانستان، امتنعت الولايات المتحدة عن دعم الثورة السورية، وضغطت على بقية الدول الغربية، وخصوصاً فرنسا، لوقف دعمها، مما فتح الباب على تدخل من نوع جديد، تمثل في دخول الجهاد العالمي سوريا، كان الاردن احدى بواباته والسلفيون الجهاديون الاردنيون احد مكوناته.
وعلى رغم تصدي المعارضة السورية المعتدلة، وكذلك “اخوان سوريا” لاتهام “جبهة النصرة” بالارهاب وبالارتباط بالتنظيم العالمي لـ”القاعدة”، الا ان هذا لم يردع الولايات المتحدة.
وجاء اعلان ابو بكر البغدادي الثلثاء الماضي عن توحد “دولة العراق الاسلامية” التي يرأسها مع “جبهة النصرة” تحت مسمى “الدولة الاسلامية في العراق والشام”، وما تبعه من نفي زعيم الجبهة ابو محمد الجولاني واعلانه مبايعة تنظيمه للظواهري ليقطع اي شك في ارتباط “جبهة النصرة بـ”القاعدة”.
هذه التطورات وما تبعها جعلت النظام الأردني، الذي استهلك الكثير من الوقت والجهد في مقارعة “الإخوان المسلمين”  وتحجيمهم ومحاولة إقناع الغرب بعدم التحاور معهم، يتنبه أكثر فأكثر لخطورة إمكان استبدال النظام السوري الحالي “العلماني” بنظام “تكفيري” يربض على حدوده الشمالية. وترتبط بهذا الاحتمال مخاطر عودة السلفيين الأردنيين مبشرين بنظام شبيه، أو متحد معه، خصوصا أن الأردنيين يمثلون رقما صعبا داخل تنظيم “جبهة النصرة”، ويتولون مواقع قيادية فيه. 
لقد أراد النظام الاردني في البداية أن يتخلص من أكبر عدد ممكن من السلفيين، ففتح الباب او غض الطرف عن تسرب مئات من التيار السلفي “الجهادي” إلى سوريا. وهو في هذا ضرب عصافير عدة بحجر واحد، أبرزها أنه تخوف من التحول الجذري في فكر التيار المتأثر بتداعيات الربيع العربي، ونزوعه إلى المقاومة السلمية عبر آلية الاعتصامات والاحتجاجات. وهذا الأمر أفقد النظام ورقة طالما لعب عليها في علاقته مع الغرب والولايات المتحدة تحديدا، هي أن الأردن حربة متقدمة في مناهضة الارهاب المتشدد المتمثل بـ”القاعدة” وتفريخاتها في العالم. 
وهو سعى في البداية إلى ضرب الحراك الاصلاحي، الذي تمثل جماعة “الاخوان المسلمين” أبرز مكوناته، بخلط الاوراق وتجييش الشارع الأردني ضدهم، كما جرى في أحداث الزرقاء 2012، إلا أنه فشل في ذلك. فخطط للتخلص من الجهاديين دفعة واحدة بانتقالهم إلى سوريا، ومن ثم باقفال طريق العودة على من يبقى حيا منهم.
على أن هذا الخيار بات صعبا في مرحلة لاحقة، وخصوصا بعدما أدرجت  واشنطن “جبهة النصرة” على قائمة الحركات الإرهابية، وضغطها على عمان للتوقف عن السماح بتدفق السلفيين من الاردن ومن جنسيات أخرى عبر الحدود للإنضمام إليها. 
وزادت على هذا القيد التهديدات المبطنة والتسريبات الإعلامية من دمشق عن مسألة تسريب الجهاديين إلى الأراضي السورية، مما حدا الحكومة الى أن تعلن مرارا انها ضد التدخل المباشر في الصراع الداخلي وأنها لن تسمح بأي عبور غير شرعي إلى سوريا، كما أعلنت أكثر من مرة إحباط محاولات تسلل واعتقال جهاديين متوجهين إلى سوريا عبر الحدود. 
وكان أكثر ما أحرج الأردن الرسمي إعلان “أبو سياف” عن تنصيب أبو أنس الصحابة، الأردني الفلسطيني الاصل، قبل أشهر، أميرا لـ”جبهة النصرة” خلفا للسوري أبو محمد الجولاني (عدنان الحاج علي)، ثم عودته عن هذا التصريح لاحقا.
وأصدر القسم الإعلامي في “جبهة النصرة” آنذاك نفيا أكد فيه أن الجولاني حي، وأن الصحابة وزميله أبو جليب (وهو صهر أبو مصعب الزرقاوي) هما “قائدان ميدانيان” في “جبهة النصرة”. وهو ما ينبىء بأهمية دور السلفيين الأردنيين في الجبهة المتحالفة مع “الجيش السوري الحـر”.
وهكذا يبدو الاردن واقفا كمن يبتلع سكينا وهو يخشى أن تكون الغلبة للسلفيين في سوريا.

النهار اللبنانية

تعليق واحد

Comments are closed.